كنت حطاماً لم ينتشله أحد

.الصورة لي، 17 آب، الجعيتاوي

قبل الانفجار بثانية صمت كُل شيء. ثم دوى صوت أحسسته في صدري، كأن يدا عصرت قلبي ثم تركته، كأن سيفاً اخترقني دون أي جرح، ثم كان هناك غبارٌ كثير، يشبه ذلك الذي يمتد على ناصية الطرقات في أحلامنا، لكنه أكثر اتساخاً.  تركت سيارتي على مفترق الطريق بين مدرسة الحكمة وطلعة السبينيس. وتواريت مع رجل لا اعرفه في مبنى تخلّعت بوابته السوداء الحديدية، كان كل شيء هادئاً، لم انظر إلى عيني الرّجل. بعد دقيقة من الحذر، ارتحت بأن الانفجار الثاني لن يحصل، لكني هربت من صوت سيدة في المبنى كانت قد بدأت تصرخ كثيرا، فركضت نحو سيارتي.

 في الشارع ما بين مدرسة الحكمة ومطعم الديوان، كان الغبار اشدّ كثافة، كان صوت الصراخ في هذه الأثناء يخفت، وصل ثلاثة رجال يلهثون واحد منهم يعرج، صوت صار يقول بأن هناك جثث على مقربة من مستشفى الروم. وصلت سيارة عريس وعروس في هذه الأثناء، وفتح الباب رجل يرتدي بذّة أنيقة جدا وأصبح يضرب مقدمة السيارة وهناك سيدة على المقعد بجانب السائق لم تنظر اليه، لم تنظر إلى، كانت تنظر فقط أمامها. أخذتُ السيارة من وسط الشارع. كان هناك صبي، ربما في الخامسة والعشرين، الدماء تملأ نصف وجهه، وكان النصف الآخر دون ملامح. حين غسّلت رأسه بزجاجة المياه، تذكرّت أني ارتدي كمامة. كان الوباء الأمر الأول الذي تذكرته. “صاروخ ما؟” سألني. لم افهم سؤاله. لم اعرض عليه أن أوصله إلى المستشفى.

فكرت أن أقود السيارة إلى البيت. تركت له قنينة المياه، انتبهت أن الناس أضحت في الشارع. كنت اقود ببطئ شديد لأن الزجاج شكّل طبقة على الأرض. رأيت فتاة تحمل كلب صغير أبيض تقف بقربها عاملة أجنبية. سألتها أن كانتا على ما يرام. كانت والعاملة دون حذاء. حافيتان. قالت لي أن المبنى الذي تقفان تحته سينهار. فعرضّت أن اوصّلها الى حديقة اليسوعية. كان الكلب قليل الحركة. لم افهم الدمار الذي كنت أراه كلما تقدمت في السيارة بعيدا عما اعتقدت انه موقع الانفجار. كنت سيارتي تحت البناية التي اسكن فيها، أردت أن اذهب الى البيت لأدخن سيجارة وأشاهد الأخبار.

 كانت الطفلة لا تتعدى الأربع سنوات كلها دماء من عدا رجليها الصغيرتين، كان وجه والدها مذعورا، جلس على المقعد الخلفي يحملها، كان يترجّى الله، كنت أخاف استراق النظر اليها، استعدت شيئا من نفسي، أصبحت اقود بسرعة جنونية ربما، كان يقول إن مستشفى الروم مدمّر، حين وصلت الى مستشفى الجعيتاوي كان هناك حفنة من الناس التي كلها دماء، فتح الباب بسرعة وركض يحمل جسد طفلة. عدّت الى البيت لكني كنت التقى بأشخاص ترمي نفسها في السيارة، فأقود الى المستشفى وأعود، فهمت في هذه الأثناء أن سعد الحريري تم اغتياله.

 رأيته على مقربة من حديقة اليسوعية، كان يمسك رقبته بيد وبالأخرى يستند على السيارات. وضعته في السيارة وانا اغلق الباب فهمت انه يسد جرحا بليغا على الرّقبة. أقفلت باب السيارة وكنت اسأله أن يتكلم معي، أن يركّز معي، قال إنه جاء مشيا من الصيفي، قال إن الانفجار في المرفأ. حين وصلت به الى مستشفى الجعيتاوي، كان الناس أصبحوا بالمئات، كانت الجثث تصل ملفوفة بأغطية سميكة يخرجونها من السيارات. وانا أعود الى البيت هذه المرّة، تذكرت أن لدي هاتف. حين تكلمت مع شريكتي، بكيت. تحت البيت، كان جيراني العجائز واقفين أمام مدخل البناية، أخذت مدام ماري الى مستشفى الجعيتاوي لأن جرحها كان في الرّقبة أيضا، جلد منزوع ودماء تجمّدت وكان قميص نومها خليطاً من رسوم بطيخ ودم. ظللت لأشهر من بعدها أحاول الاختباء من مدام ماري لسبب لم اعرفه.

كان البيت ثقباً اسودَ، كانت الخزائن والأبواب والبرادي والكراسي والطاولات كُلها محطّمة ومتركّزة في بقعة واحدة. كان الزجاج يخفي كل شيء. كان عليّ أن أترك الحيّ وأن اقود نحو الجبل. حين نزلت من المبنى، كانت الناس تزيل الحطام من الشوارع.

لأسبوعين من بعد الانفجار، اعتقدت انه من الطبيعي أن أرى الدماء على وجوه الأصدقاء، أن أتخيلهم معطوبين، محطمين، كأنهم واقفين أمام مستشفى الجعيتاوي. قالوا لي أن هذا لم يكن طبيعيا. ثم اعتكفت في غرفتي في الجبل لأربعة أيام وثلاث ليال لأني لم أريد أن التقي بأي أحد، قالوا لي ان هذا لم يكن طبيعيا.

وانا اقود الى الجبل في ليلة الانفجار وحين وصلت الى نفس التقاطع، كان كل شيء قد اضحى مختلفا، كنت أنا مختلفة، كنت حطاماً لم ينتشله أحد، لم يرمه أحد على ناصية الشارع، لم يكنسني أحد من الشوارع، لم يلق بي أحد الى أكوام الحديد والزجاج والخشب التي تكدّست على النواصي، لم يزعل عليّ أحد، لم تقلبني يدا لترى أي تفصيل يمنعها من أن ترميني الى التهلكة، كنت فقط حطاماً يقود نفسه الى بيت في الجبل، لينام.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s