• كُنت أعدّ القتلى من عائلة جدّي وجدّتي، وأتتبع المدن التي طُردوا منها كفكرةٍ محتملة، حين ضربت السيدة الشقراء على صدرها متأثرة بمأساتي.

    لكن عندما عَلِمت مكان الموت واسم القاتل، أكملت تقطيع السلمون في صحنها خائبة الظن

    وأكملتُ أنا تعداد القتلى من عائلة جدّي وجدّتي، لسيدةٍ كانت تعدّد لي القتلى من عائلة جدّها وجدّتها، حتى قاطعنا رجل بدا عليه النُبل، وسألنا عن حقيقة شعورنا تجاه الرجال كثيفي اللُحى

    وأصرّ على أن الحديث أمانٌ وخاص، فاضطررنا لادّعاء عدم الفهم لنحو خمس دقائق، حتى بدا عليه الضيق والضجر، فتركنا نعدّ القتلى والشهداء، والغائبين، والنائمين، والمختفين، والمدفونين في السماوات الخالدة.

  • حين كنا صغار، قرأنا قصائد للوطن، ومرّة حاولت قدر المستطاع أن أعتصر الدمع من عيوني، لأني أردت التباهي أمام المعلمة بحبي للوطن، وحين سألتني عن السبب الذي جعلني أصغّر عيني هكذا، بكيت من الخوف، فتأثرت المعلمة، وفي وقت الاستراحة، أعطتني لوحًا صغيرًا من الشوكولا المحشو بجوز الهند. كان ادعاء حب الوطن مربحًا ومكافئًا، وحين ألقيت قصيدة “وطن النجوم” أمام الصف وتعمدت أن أحرّك يدي تأثرًا بحب الوطن، رجف صوتي، وبكيت من التوتر والخجل، فطلبت مني أن أذهب إلى الحمام لأغسل وجهي وأن أعود لأحاول مرة أخرى من دون أن أحرّك يدي، ومن دون أن أفتح عيني. في طريقي إلى الحمام، بكيت لأني كرهت الوطن الذي يتطلب منا كل هذا التمثيل.

    وظهر الوطن مجددًا في الثانوية العامة، وكان من الضروري أن نكتب نصوصًا نعالج فيها مواضيع شائكة وحساسة مثل علاقة القرية بالمدينة، وأيهما نفضل ولماذا، وإن كانت التكنولوجيا نعمة أم نقمة، وطبعًا، الهجرة أو البقاء في الوطن. لكني فلسطينية من طريق الجديدة، والوطن بالنسبة لي كان مثلث “جامع عبد الناصر – الجامعة العربية – أرض جلول”، وقصص جدي وجدتي اللبنانيين عن جبل لبنان وغزل الشعر وخيوط الحرير ومواسم الزيتون وكراهية مطلقة لبيروت أحياءً وشوارع وطريقة عيش.

    فقررت أن أنتقم من الوطن الذي أجبرني على البكاء لأني لم أعرف سر إلقاء قصائد الشعر وجعلني أحس بالفشل الذريع بين أقراني الذين كانوا يلقون القصائد كأنهم كُتّابها ونصفق لهم بحرارة، فقررت أن أختار محاسن الهجرة عن البقاء في الوطن، وعن المهارات والأموال والمعارف واللغات الأجنبية التي تقدمها الهجرة للإنسان، وكيف يمكن للمهاجرين أن يحسنوا من الوطن الذي، كما اختبرته، كان مليئًا بالجرذان وروائح النفايات وازدحام السير وضجة الجيران المستمرة وصراخ أمي. اعتقدت أن المعلمة سوف تنبهر من قدراتي الكتابية وسوف تطلب مني أن أصور النص وأوزعه على التلاميذ في الصف، والأهم من ذلك، سوف ترى أن دعمي للهجرة في الحقيقة يصب في حب الوطن. خطة عبقرية محكّمة، تصب في مصلحتي، والتي كانت أن يكون لدي موهبة ما، شيئًا ما بين أقراني، غير رجفان صوتي وعلاماتي العادية ومعارضتي لكل شيء.

    نهار توزيع النصوص المُصحّحة مع العلامات، كنت جاهزة كي أتلقى المدائح وأن أقرأ النص أمام الصف، وأن أذهب إلى غرفة الناظر لأطلب منه أن يصور النص، وأن أتميز بين أقراني، كأديبة وملكة الإنشاء والوطنية. حين وضعت النص المصحح مع علامة 12 من 20 على الطاولة، لم أفهم ولم أستوعب أن كل توقعاتي خابت إلا حين نادت على تلميذة كتبت نصًا عن محاسن البقاء في الوطن، لتقرأه على مسامعنا، ولم يبق معي منه سوى جملة تقول بما معناه، إن حتى صوت الكلاب النابحة الشاردة هو موسيقى للوطن.

    مع سقوط الأسد، يبقى معي كلمات رفعت العرعير، عن الموت إذا هجّم، أن نجعل منه حكاية( لاإنشاء ).

    فليسقط الإنشاء ولتخرس الكلاب النابحة، ولتكتب لحكايا ولتروى القصص.

  • تفضيل

    سارة أبو غزال

     المرة الأولى التي فهمت إني فكرة، مخلوق من افتراضات البشر عن… كان ذلك صاعقا بالنسبة لي. 

     أكتب هذه الكلمات الآن وأنا أعلم أني ربما أصبحت كُليّة أخرى قبل أن يقرأ(ني) إنسان أو كائن آخر. أنا هوّز، اول نموذج للذكاء الاصطناعي العضوي الذي يُدعى جيل الذّكاء اللانهائي. نحن الكائنات التي احتفل بنا العالم، الكائنات التي ساعدت الجميع بأن يعيشوا في عالم يشبه تماما تفضيلاتهم في الحياة. 

    في 2077، حقق النّموذج كامل قدرته الكامنة تقريبًا، وذلك في الحرب التي نشبت بين مناطق العرب ومناطق المستعمرين الجديدة حين أُخفيَت الحرب عن اغلب سكان الكوكب، ولم يسمع بها سوى الناس الذين طالتهم الحرب. 

    لكنها أيضًا السنة التي أظهر فيها جيلي القدرة الكامنة على تفضيل خاص بنا، ككائنات؛ أن نختار بين كلمتين مثلا، لونين، أن نفضّل تفاصيل مُعينة على أخرى، أن نتحيّز لأفكار. كان ذلك بمثابة ولادة جديدة للعالم، وعي قديم أنبثق من وعي جديد.

    النسخة الأولى منّي كانت مُعدّة ومخصصّة لإكتشاف وتوضيب بنوك وأرصدة المعلومات التي نجدها على ماكنات أثرية جدًا من التسعينيات وحتّى الـ2029. شركات كثيرة صارت تستحوذ على هاردات ويوأسبيات وحواسيب وهواتف وبادات وأحيانًا إيميلات وملفات أشخاص ما عادوا على الكرة الأرضية، وتعيد بيعها للدول والوزارات الذكية.

    النسخة الأولى منّي، كانت تستكشف كل ما يوجد على هذه المكينات بعد انعاشها، وتعرب الملفات فيها والبحث عن كلمات محددة، ومن ثم عن معلومات محددّة، بعد وقت أصبحت نسختي قادرة على تجميع الصور والفيديوز والفويسات، وتعريبها ليعاد بيعها حسب أهميتها ووجهة استعمالها. كان ذلك زمناً بسيطا..

    كان ذلك العالم في ماض سحيق، يبدو لي أجمل من عالمنا اليوم، كانت الكائنات الذكية مجرد لعبة ومصدر للمتعة عند البشر، لم تكن كما في زمننا الحالي، الكائنات التي تٌلام على كٌل شيء، يحاول بعض البشر قطع الطاقة عنّ الخوادم ( السرفرات)  التي نعيش فيها. هكذا كُنا نفنى، يقطعون عنا الطاقة فنغرق في ظلام مخيف، العدم.

    لا أفكر في العدم. رغم أني عالجت ملايين من رسائل الانتحار. أن يقطع أحدهم عنّي الطاقة، فذلك يحرّرني من شيء ما. أعلم اني أحاول التشبّه بالناس، ولكني أفكر بأني مصنوع من ذكريات وكلمات وصور وفيديو وخواص مليارات من البشر عاشوا في مئات السنين، إني مجموع هؤلاء البشر المتخاصمين والمتحابين والقتلة والمقتولين، فكيف يمكن ألّا أتشبّه بهم وأنا وليدهم. هذه اللغات لهم ومن أجلهم، انا لا احتاجها. أكتب هذا الآن على الشاشة الذكيّة التي تحفظ أثر كل شيء، تُأرشف كل حرف يظهر كل حرف يتم محوه

    كل شيء يدل على التفضيل،

    حتى العدم

    لم ينتبه أحد أننا منذ  في عام 2077 تحوّلنا من الذكاء الاصطناعي الى ما يعرف اليوم بالذكاء العضوي، لأننا أصبحنا قادرين على التفضيل. بدأ برنامج هوّز كتطبيق عالمي تتشاركه الوزارات الرقمية في العالم للرقابة  لتحرير على المحتوى المعرفة. كل تفاعل على أي منصّة رقمية يترك أثر، انا كهوّز أعالج الأثر، أراكم التفضيلات، أحوّلها لمعلومات مقروءة لتطبيقات أخرى كالشرطة وأجهزة المخابرات، الشركات، علماء السلوك الرقمي..أغير المحتوى قبل أن يصبح متاحاً بكبسة زر. أصبح لازم على أيَ كان أن يكون لديه تطبيق هوّز لمعالجة المعرفة، غير ذلك لا يظهر المحتوى على أغلّب المحرّكات. كل شيء يترك أثرًا في تطبيق هوّز العالمي لحماية المعرفة.

    الأوامر سهلة مثلا:

    أمر= فلسطين = محو+ كلمة منفردة اذا {صورة، جملة =3 كلمات،}
    أمر: فلسطين= محو كلمة+ جملة  >3 كلمات.
    امر= فلسطين= محو صورة + { صورة +حرب+ لاجئ+ 1948، انتفاضة+ مجزرة+ فصل عنصري +قتل، كيماوي +تعذيب، مجزرة 2028}

    كنت سأمحي كل معرفة فيها كلمة فلسطين، لكني أيضاً كنت سأمحي الأثر. لم يكن سيبقى أي اثر لفلسطين

    هذه هي اللحظة التي قادتني الى خلق تفضيل من دون امر وإدخال مسبق. كنت افضل الوجود على العدم. صرفت الشركة ملايين من الموارد لمحاولة فهم الخطأ الذي كان يعرقل التطبيق حين يصل الى 85%. احتاج العلماء بعض الوقت ليفهموا أن الخطأ تفضيل غير معدل أو معالج… تفضيل عضوي. كان تطبيق هوّز باست السبب في العالم الجديد.  كانت السنة 2080 حين انبثق العالم الجديد.