هل نتحرر من صورنا؟ افكار فلسطينية للبنان.(لا تخافوا)

كتبت بعض من هذه الأفكار في العام 2019. اعمل على نص جديد يغطي الثورة وعلاقة الفلسطينيين بها.

القبول بتغيُّر الزمن لا يعني تغيُّر التاريخ.

  لم يُربك الحراك الفلسطيني السياسيين في لبنان فقط، بل أيضا أربك المجتمع اللبناني بشكل عام، وتحديدا في التعامل مع صورة الفلسطيني المُنتفض، هذا الإرباك غطّى عليه ضخ إعلامي لخطاب يُذكّر الناس بالحرب الأهلية ويربط بين ما يجري في المُخيّمات من مظاهرات وبين وجود مُنظّمة التحرير الفلسطينية في لبنان، كما انزلق الكثير من الناشطين في هذا المنحى وذلك بسبب خطاب القوى السياسية والتي تحالفت مع مُنظّمة التحرير وقتها والذي لم يعرف أن يتعامل مع الحراك الفلسطيني إلا من باب التاريخ واستعادة للحظات من الحرب الأهلية والتذكير بأن بعض اللبنانيين والفلسطينيين قاتلو سوياً وكان لديهم مشروع واحد ورؤية واحدة. غير أن الخطاب هذا، إذا أردنا أن نوظّفه في الخطاب السياسي، يعزز من خطاب وزير الخارجية السابق جبران باسيل والذي يفعل الكثير كي لا “يعيد تجربة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان” والتجربة هي في الحقيقة أمرين، وجود منظّمة التحرير في لبنان وانطلاق الثورة الفلسطينية والأمر الثاني هو وجود هؤلاء اللاجئين بحيث لا يستطيع أن يعيدهم قسراً إلى بلادهم (وهو كل التمنيّ!) ولا يبدو بأنهم يريدون الرحيل من لبنان رغم كل التمييز القانوني والكراهية التي يتواجهون بها.  وحين أقول بأنه يعزز، لا أعني بأنه يساوي له في العنصرية أو الكره، بل أنه يعيد أيضا خطاب الحرب الأهلية إلى الحاضر، وبالتالي يضع الحراك الفلسطينيين في معادلة أن المطالبة بالحقوق المدنية تساوي الحرب الأهلية، ولكن الأهم من هذا، يعلمنا هذا الإرباك بأن صورة الفلسطينيين ومن هم في الحاضر لا تُرى الا من الماضي، في الوقت الذي حرّر  اللبنانيون أنفسهم من صورهم في الماضي، وأفرزوا صورا وعلاقات وممارسات عن أنفسهم ساعدتهم في تخطي الحرب الأهلية وموروثاتها وحررتهم من مواقع ومسؤوليات سمحت لهم بتطوير خطابات سياسية وممارسات تنظيمية تشبه حاضرهم. كان  يمكن للحراك الفلسطيني أن يكون أيضا الطريق إلى تحرير الفلسطينيين من حمل عبئ التاريخ وحدهم، كما احترام حقهم بأن يعيشوا بالحاضر وليس فقط بالماضي ودون أن يعني ذلك أن التاريخ هامشي.

كيف نقرء الحراك الفلسطيني خارج الصندوق؟

   لا يمكن أن نكتفي بقراءة الحراك الفلسطيني على إنه حراك يطالب فقط بالحقوق المدنية، ومن دون الالتفات إلى ما يطرحه أيضا من أسئلة وتعقيدات تمس الناس اجمع وبالأخص النشطاء او الأفراد ذوي فاعلية سياسية. يمكن أن ننظر إلى الحراك الفلسطيني على إنه لحظة جماعية نجحت في إعادة طرح سؤال عن طبيعة العلاقة اللبنانية الفلسطينية على الجميع، في لحظة يتم التعامل عن طبيعة هذه العلاقة بمسلمات مرتبطة بالصور المفترضة، وأيضا التعامل معها كاختلاف لبناني- لبناني. نجح الحراك في وضع الألاف من الناس يعيشون في عالم موازي مع المجتمع اللبناني أمام العين، وحوّل المخيمات الفلسطينية من أماكن غير مرئية إلى أماكن مرئية ومن دون أن يكون النظر إليها سببه وضع أمنى. كما نجح الحراك في تظهير صوت فلسطيني واضح في فاعليته السياسية، قادر على التنظيم وأيضا قادر على القيام بمناورات سياسية مثل التأكيد على احترام الجيش اللبناني والعمل على تقديم الورد لنقاطهم المتمركزة خارج حدود المخيم وتحضير هتافات حملت رسائل واضحة لمن يصغي ويرى أن ما يحصل لا يرتبط بما حصل في نهر البارد وأن واقع التوتر الفلسطيني اللبناني ليس بالضرورة أن يقدّر له ان ينتهي بتدمير مخيّم.   كما نجح الحراك في طرح أسئلة على نفسه وذاته الفلسطينية والتي ترتبط أيضا بعلاقته (الكثيرة التوتر) مع الفصائل المتواجدة ودفعها إلى اتخاذ الكثير من الخيارات التي كانت مرفوضة عندها أول أسبوع من الحراك.  كل هذا حصل في سياق لا يتمتع بحيّز للممارسات السياسية التي نتمتع فيها في بيروت، وحيث حرر الحراك الناس من حالة  اللا الفعل إلى حالة فيها فعل سياسي يعبُر منها من خطاب سياسي لم يعد يمثله (ثورة حتى النصر ) إلى خطاب سياسي يشبه حاضره،  حقوقا مدنية تتعايش بكل سلام مع حق العودة. لم يسمح الإرباك لرؤية كل هذا، ودعم الحراك في عبوره. كل هذا حصل في مخيمات اغلبها مغلق وبعضها ببوابات حديد ومن دون أن يتساءل أحد لما لا يستطيع الفلسطينيين تنظيم مظاهرات في مدينة بيروت؟ لا يمكن التغاضي في هذا السياق، عن حقيقة أن الحراك الفلسطيني ذكر الناس أن التمييز التاريخي الذي يتعرضون له، ليس قدرا وإن كان يُعد أمراً اعتيادياً للكثير دون أن يلتفت الناس أن عاديته تبوح بالكثير عن الفجوة بين المجتمعين. إن الحراك الفلسطيني يعلمُنا ويذكرنا بحق الناس في التجربة السياسية وتطويرها، وإن الفلسطينيين أيضا يعيشون لحظة تدفعهم لخلق لغة جديدة  وترتبط بالحاضر وخطاب جديد يحدد ملامح هوية جديدة يريدون طرحها، هم جزء من شعب يعيش في المنفى ويتوق الى الوطن المُتخيّل والذين يدفعون ثمنه في الواقع وليس في الخيال.

 الفلسطينيين في الحيّز اللبناني | أسئلة في التنظيم السياسي

لعب الفلسطينيين خارج المخيمات دورهم في دعم الحراك الفلسطيني ومد جسورا تضامنية سهلت على الناس أن تعبُره. ورغم أن دورهم هذا بالغ الأهمية، إلا إنه اصطدم بالكثير من الأسئلة والمواقف التي أيضا تطرح أسئلة عن وجود الفلسطينيين في الحيّز العام اللبناني وخصوصا اللذين واللواتي يعملن في التنظيم السياسي الذي هو ضُمناً بشكل أو أخر لبناني، رغم أنه لا يعرّف عن نفسه هكذا. عددا صغيرا من الفلسطينيات يعشن خارج المخيمات استطعن العمل من دون كلل على تنظيم أنشطة تضامنية مع الحراك الفلسطيني، مرتكزين على دورهم وقدرتهم على الوصول الى العالمين وفهم تعقيدات العالمين، وقد تخلل هذا التنظيم العديد من النقاشات والأفكار بين الفلسطينيات تحديدا وبين اللبنانيين عن التضامن والتاريخ المُعقد والأدوات الموجودة والموارد التي نستطيع تحريكها للإضاءة على الحراك في المخيّمات ودفعه باتجاه أن يأخذ أيضا شكلا في الحيّز اللبناني وذلك لمزيد من الضغط والتأثير على الجو العام لإلغاء على الأقل فكرة رخصة العمل كمبدء وعلى الأكثر الحقوق المدنية الكاملة.  وضع هذا الدور الفلسطينيات في مثابة الجسر الذي يمكن للعالمين أن يعبران منه واليه، ومن دون أن تصحّ الفرص للفلسطينيات أن يضعن على الطاولة أفكارا ترتبط بتجربة العيش في الحيّز اللبناني كفلسطينيات وفلسطينيين بالتحديد.  وترتبط هذه الأفكار بثقل التجربة ويمكن أن تحرر أيضا الفلسطينيات من التعامل معهم كجسر أو الدليل على تنوع الحيّز اللبناني.  

 القى الحراك الفلسطيني الضوء على الفلسطينيين في الحيّز اللبناني على عملية التماهي التي نقوم بها لنستطيع أن نحيا قدر المُستطاع يوميات أقرب إلى العادية، وحيث لا تخرج جزئيات أساسية من تجربتنا إلى العام، ونغض النظر عن العنصرية اليومية التي نتواجه بها سواء أظهرنا فلسطينيتنا أو لم نظهرها، غض النظر هذا، يضمن لنا أن نتشارك الحيّز الضيّق المُثقل بالكثير من التوترات السياسية والشخصية التي تلقي ثقلها على العلاقات العامة، والأهم من ذلك أنه يحررنا من صورة الضحيّة وأيضا يحمي علاقاتنا الشخصية والعامة من التوتر النابع التي يرتبط بكيف تُفهم العُنصرية في لبنان، وربطها بالعمّال المهاجرين وأيضا اللاجئين السوريين بشكل أولي وعدم ربط هذا الخطاب بممارسات موجودة وظاهرة من ال1991 ويتواجه معها الفلسطينيون وذلك بسبب “تعقيدات التاريخ”. لا شك أن الحراك واجه الفلسطينيون واللبنانيين الذي يتشاركون الحيّز نفسه بأسئلة شديدة التعقيد، ولكنها تؤكد على فرز جديد في المقاربات السياسية من حيث مقاربة القضية الفلسطينية والذين يحملونها على أكتافهم.

 وضع الحراك الفلسطيني سؤال القضية الفلسطينية في الحيّز اللبناني في مأزق، وساهم في تظهير أسئلة موجودة ولا تُسأل، أو لا تُسمع حين تُسأل، وهو النظرة إلى القضية الفلسطينية، كقضية تحررية عند المنطقة بشكل عام وأيضا عن وسط الدوائر الناشطة سياسيا في بيروت، والتي تتعامل مع فلسطينيين الداخل والضفة بصفتهم الفلسطينيين أو الفلسطينيين الأحق ولا تتعامل مع الفلسطينيين اللاجئين بصفتهم معنيين أيضاً في هذا السؤال الأوسع. فيتحول التعامل مع الهوية الفلسطينية بمرئية مشروط بوجودها في فلسطين التاريخية وبالتالي في وجود احتلال. يُسهل كل هذا، استعمال القضية الفلسطينية من قبل المُتخاصمين اللبنانيين في قُطبي 14 آذار و8 آذار وامتدادهم الى الذين يجدون أنفسهم في مواقع خارجة عن هذا لاصطفاف ولكن قد تتقاطع معه في عنوان مثل سوريا، فلسطين وسلاح حزب الله، ولكنه يصعّب العلاقات مع الفلسطينيين الموجودين في هذه الدوائر والحركات لأنه لا يرى الربط مع السؤال الفسطيني العام وبين المخيمات والفلسطينيين في الشتات، ولا يرى امتداد النكبة كلحظة تاريخية مستمرة في حيواتهم. يتعامل اللبنانيين والكثير من الفلسطينيين مع المخيّمات على إنها “غيتو” ومكان هامشي صعب، وقد يكون صحيحا، ولكنه يبقى تعامل مجتزأ لأنه ينسى أن المخيمات هي الفضاء الحقيقي والرمزي المُتصل بالنكبة، والتي يمكن لا تكون حاضرة بثقلها بشكل يومي ولكنها قطعاً حاضرة بشكل رمزي. وبالتالي يتوارث ساكنيها هذا الامتداد وهذه الرمزية. وإن كانت القضية في سؤالها الأوسع ترتبط بلحظة النكبة وفهمها على إنها نتيجة لاستعمار حصل، فلا يمكن اذا الا ان يكون الغائبين عن أراضيهم والحاضرين في منافيهم الا بصلبها.

 أعاد الحراك الفلسطيني الكثير من الأسئلة الشديدة التعقيد الى الواجهة،  ولكنه بالـتأكيد نجح في إضاءة الطريق الى ذاتنا الفلسطينية التي تتوق الى الحرية والتحرر. وأعاد سؤال السُلطة بأشكالها المتعددة وديناميات القوة الى الواجهة من خلال فهم كيف يكون القامع وكيف يكون المقموع.  فهل نتحرر من صورنا، ونعود إلى ذاتنا آمنين؟

One thought on “هل نتحرر من صورنا؟ افكار فلسطينية للبنان.(لا تخافوا)

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s