(مخطوطة لكتاب اعمل عليه)
كنت قد كتبت النص أعلاه في أول السنة، وتسارعت أحداث الحياة ومنطقتنا، وكنت قد نويت نشر نسخة قديمة منه ومن ثم عدلت عن الفكرة، لأني علمت أن أحد الأفراد في تاريخي المشترك والتي قيل لي أنها تعاني من “انهيار نفسي” قد تتأثر سلبا بما ستقرأ. اعتقد أني أيضا كنت خائفة من نشره، من مشاركته، من فتح ماض يبدو أحيانا أنه بعيد وغير مهم، لكني اعتقد، أني خفت من العام وعنفه أيضا، لكني أرى هذا العنف يتكرر ويشتد، وأحيانا، يتسبب بقصد أو عن غير قصد بموت بطيء ومبكر.
ربما فتحت الإبادة، جرح المحو وإلغاء الملازمان لحركتنا النسوية في المنطقة، تلك الحركة النسوية التي إعادت الامل في إمكانية تغيير حيواتنا الى الأفضل، كما خلقت لغة سياسية جديدة، استطاعت ان تسمي الأشياء باسمها. في تاريخي النسوي اللبناني، يتم محونا، نحن الفلسطينيات في هذا التاريخ، ويتم التعامل مع العنف الذي استقبلناه ونستقبله يوميا من رفيقات، بشكل مُجهّل كأنه يحصل لشخص ما في مكان ما. في هذه اللحظة في الفوضى العارمة في تاريخنا المشترك، يتوجب على ان اعيد سرد تاريخ شخصي وعام، بدء مع مجموعة ميم ونسوية وحتى تأسيس ورشة المعارف و التحالف الإقليمي..
لكني اليوم، اعتقد بحاجة لمشاركته (النص) لأحرر نفسي من ماضي وعنف ليسا ملكي. بل أيضا لأن في الأوان الأخيرة، ومع الهجمة ضد المثليين والمثليات والنسويات وقتل النساء الترانس لومحو دور الغرباء مثلي في بناء الحركة النسوية والكويرية، هناك حاجة لسرد مقاوم للمحو .
يبدو لي ان ما يعيق أي نقاش وتنظيم حقيقي، هو ماضي من العنف المركب يعيد إنتاج خوف من العمل العام، وعنف عام وتاريخ يتسرب الى الخاص والشخصي. لا يمكن ان نغض النظر عن العنف العام في الأوساط المثلية والنسوية في المنطقة جراء الصراعات على مراكز قوى وسلطة هامشية وتمويل أحيانا غير بريء. ربما لو تعاملنا مع العنف بشكل حقيقي اي العنف العام في الشخصي، كنا قد استطعنا خلق مساحة جديدة من المنظمات والحركات النسوية، آنذاك وأسسنا لمرحلة وخطاب جديد، لكن اللحظة تقتضي بالتأسيس لمرحلة جديدة من التنظيم، قصدي وواعي تماما لماضي العنف ودوره بالتنظيم المشترك، وقادر على التفكير في كيفية النجاة وسط عملية محو ممنهجة للتاريخ والأفراد والاشخاص وحركات.
مقدمة مخطوطة” سرد شخصي لتاريخ عام”.
أول مرّة ضربني أبي لم أعلم ما عليّ فعله، قالت لي أمي أن عليّ ألا أتحرك وأن أخفي وجهي جيدا، وأن أتوقف عن محاولتي لركله، كان ذلك يغضبه أكثر، كل هذا كان يحصل في نفس الوقت. قبل الحادثة، كان يأكل صحن فاصوليا بلحمة، وكنت مستلقية على سريري وحيث اختبر جسدي معنى الهلع الذي يتعاظم بين أضلعي ولا يتسرب الى الخارج للمرّة الأولى، كانت أمي قد قرّرت أني بحاجة لتأديب لأنها لم تعد تخيفني، كسرتُ سلطتها عليّ مرّة واحدة وفي نهار وحد، ربما أطلت في السهر خارج البيت، أو اكتشفت أني هربت من المدرسة، لا اذكر التفاصيل ولا سيرورة الأحداث مع أمي، يحتل الضرب الذكرى الأساسية في بداية علاقة غريبة مع أبي، الذي كان فخورا دائما بأنه لا يضرب “نساء”. أنا لم أكن في غرفة الجلوس معهما، فلم اسمع ما قالت له، لكني اذكر أن الصمت حلّ في البيت، وظل تنقيط المياه من السيفون ينغّص عليّ رغبتي في أن استسلم لمخاوفي، وصرت اسمعه يحاول التّملص من المهمة المطلوبة منه، لكنها ظلّت تردد عليه مسؤوليته تجاه شيء ما، الأب الأكبر، الذي فهمت من هو بعد سنين قليلة.
حين نادى عليّ لمحاسبتي، قمت من سريري ووقفت أمامه، كان يسألني إن كان صحيحا كذا وكذا، لم أستطع الرّد، كان فمّي مطبقاً من الخوف، وظلّت أمي تفترض أجوبة عن لساني، لكنه كان يريد منّي أن اردّ عليه، لكني من الخوف لم أستطيع تحريك لساني. بعدها طلب منّي أن انظر اليه لأني كنت أحدق بالأرض، وحين نظرّت اليه، كانت الدموع انهمرت، وكنت أتعرق وكانت لعرقي رائحة جديدة، من بعدها فهمت أن الخوف له رائحة عرق تختلف عن المفروز بشكل يومي.
في البدء، طلب منّي بهدوء أن أرد على أسئلته وطلب منها الكف عن الكلام ليسمعني، أردت أن أتكلم، لكن الصوت الداخلي الذي نولد معه كان قد أعلمني أن اللحظة التي سأنطق فيها، هي اللحظة التي ستتصاعد فيها الأمور، كنت أعلم كيف تتصاعد الأحداث من الصراخ الذي يعلو حيّنا فجأة، ويهمد فجأة أيضا، كأن شيئا لم يكن، كأن شيئا مرّ بسرعة مثل قبضة على وجه احدهن أو هرولة أهل البيت لإغلاق النوافذ والستائر. حين وقف بعد أن استفزه صمتي، فزعت وخطوت خطوتين الى الخلف بسرعة، فطلب منّي أن أقول له اذا أنا خائفة منه، لكني لم استطيع أن أقول شيئا، كان فمي قد اطبق على نفسه، وكانت رائحتي قد فاحت من الخوف، فصار يسألني إذا أنا خائفة منه بشكل بوتيرة سريعة، وكل ما يتقدّم نحوي ابتعد، حتى انحشرت في الزاوية و فقد أعصابه، قبل أن أخبئ وجهي كما اقترحت أمي وهي واقفة تحمل الصينية التي عليها صحنه، صار يضرّب في من دون استراتيجية محددة، غير انه ثبت رجله فوق قدمي، وكانت قبضته تأتي على الذراع والمعدة والوجه والرأس، وكانت الركلات تأتي على رجلي الثانية، لأوّل وهلة كانت يداي تحاول إبعاده، لكن أمي صرّخت تقول لي احمِ وجهك فحرّكت يداي فوق وجهي واعتقد إني بقيت في وضعية هامدة لحين ما انتهى وعاد الى رشده وتوقف عن سؤالي اذا كنت خائفة منه، وصار يطلب بأن أرد عليه حين يسأل لأن هذا هو الاحترام، ثم وقع أرضا جنبي يلهث وبدء بنويح كبير وصار يسبّ الدين وأمي وانا، وصار يقول انه ليس بوحش فلما أنا خائفة منه، فذهبت أمي لوضع الصينية في المطبخ وعادت وساعدته في الوقوف ومعاودة الجلوس على الكنبة. بعدها بدء أخواتي بالظهور من الغرف وانا في الزاوية وبقع دمّي تحيط بي، فطلبت أمي من أخواتي أن ينظفن الدّم لأن منظره مقرف، وكان الجيران قد بدئوا بالتوافد للجلوس مع أبي والاطمئنان عليه بعد أن سمعوا صريخه. وقامت أمي لتجرّني مع أخي وأختي الى السرير وهي تُسألني أن كنت مبسوطة ومرتاحة بأني أقلقت راحتهم، وفضحتهم أمام الجيران، وجبرّت هذا الرجل الذي يعمل من الفجر للنجر أن يخرج عن طوره، كانت تقول كل هذا، وكنت اخجل من رغبتي في أن تمسدّ لي شعري، أو أن تحضنني، كنت أريد شيئا ما ليغلف جسدي ووجهي الذي كان متورّما، لاحقا، فهمت اني رغبت بدرع يحمي ويعيد لجسدي ذلك الإحساس بالتكامل والتأكيد بأنه جزء كاملاً، رغبت ببعض من الحب الذي يستطيع أن يوصّل أجزائي المهشّمة ببعضها البعض، كنت أريد من أمي في تلك اللحظة، أن تعيد ولادتي فقط لأستعيد جسدي كاملا.
بعد يومين، ظهر أبي حاملاً دبدوب تويتي، وجلس على نفس الكنبة، ونادى عليّ وأعطاني الدبدوب وعشرة ألاف ليرة، وطلب منّي أن اعتذر له، أنا كنت أريد أن أعتذر له وكنت أتمرن على ذلك في اليومين الذين تفادينا بعضنا فيه في البيت لأن أمي قالت لي أن الهدوء والسكينة لن تعودا الى بيتنا قبل أن أصلح ما قمت بإفساده. حين وقفت أمامه وانا أمسك بالدبدوب والمصاري، قبل أن اعتذر له، مدّ يده ليطول ما يشعل به سيجارته، وبحركة لا إرادية مني رجعت الى الوراء، فجنّ جنونه فركضت الى الغرفة الأقرب وأوصدت الباب وظل يخبّط ويطرق على الباب لأفتح لأنه يريد أن يفهم لما أنا خائفة منه، واي نوع بنات أنا لأخاف منه، وهل قام بأي شيء أصلاً ليؤذيني؟ أحسن مدارس وضعني فيها وأفضل اكل يطعمني وعلّمني السياسة وحمّلني القضية.
ظلّ لسنوات قبل أن يمرض، يريدني ألا أخاف منه، وأنا كنت أريد ألا أخاف منه. بعد هذه الحادثة تكررّ الضرب مرتين، لكني لم أستعد نفسي أ بدا من تلك اللحظة التي كُنت فيها في الزاوية والتي تشكل جزء كبيراً حتى اليوم أحد الأسباب التي تدفعني لتفاديّ بيت أهلي، كأني ما زالت هناك ولا اعرف كيف انتشل جسمي من تلك الزاوية، والذي ظلّ لوقت طويل لا يعرف أن يَحتَضِن ولا يُحتَضن، وظلّت تعيدني كل لمسة على الظهر أو على الكتف الى تلك الزاوية، والى ذلك الإحساس الموشك بالخطر، وتفتح لي ذلك الخزّان من الخوف الذي يجرّف كل شيء حين يجتاحني، فأنسى كل شيء، من أنا وأين أنا وما حصل، وأعود الى تلك الزاوية فاقدة تماماً الإحساس بجسمي، ساكنة، غير قادرة على التلاشي والاختفاء، مسكونة بعجز كبير.
بعدها، كان صعباً كثيرا عليّ أن أتواجد بين الجيران والأخوة والعائلة الأكبر لأنهم رأوا ما حصل وتواطئوا على خوفي من تكرار هذه اللحظة التي تفلت فيها زمام الأمور، لأنها كانت تفلت فجأة، من دون إنذار، إعصار يحلّ فجأة، وتلك اللحظات الصامتة من بعدها والتي أحمّل فيها مسؤولية هذا الإعصار. عدم قدرتي على فهم الخوف والإحساس الكبير بالعار، تعاملت معه من خلال التزامات سياسية وأخلاقية عالية ومتطرّفة أحيانا وانغماس كلي بالشأن العام، كانت التزامات هذه تحميني من هذا الشعور الذي كل ما تجاهلته، تحكّم فيّ وتمكّن منّي، كان هذا الشعور كبيرا بالعار، في داخلي كانت هناك قناعة داخلية بأني معطوبة ومستباحة ولذا ضربني أبي. كنت أخجل من إني لم أستطع أن احمي نفسي، وكنت أخجل أكثر من أن أحداً ما في هذا العالم (الجيران والعائلة) لم يحمني. كان ذلك مدخلي الشخصي والسياسي الى النسوية، والى الحياة العامة، وحيث كان لا بد أن أضع كل هذه التفاصيل على حدى، والعب دورا عاما اليوم أفهمه بأنه الدور الذي كان ربما مطلوباً أن يلعبه أحدا في حياتي، ذلك الدور الذي يساهم في بناء سردية عن العنف الخاص وموقعه في بنائنا كأشخاص، من دون أن نضطر الى المرور بموقع الضحية والذي لا يمكن الخروج منه أبداً، فنقاوم بمعروفية، ونصمت بمجهولية.
أعود دائما الى تلك اللحظة في سريري بعد أن ضربني أبي، جزء منيّ مهشّم كان يخطط لقتله بعد أن أكبر أكثر، وجزء منّي كان يحسّ بالذنب لأن أبي بكى، وجزء مني تلبس بالعار لأنه كان يبدو لي بأني استحق كل هذا لأن أحدا لم يحميني. جزء مني بقي في زاوية صالون بيتنا حيث لا أزال ممددة على الأرض، ولا يزال أبي (الذي أحب جدا) يجلس نائحاً غير قادر على هضم أنه مسخاً أحياناً، هذا الجزء لا يزال عالقاً في اللحظة التي لم تمرّ، واقفة ومتجمّدة، اللحظة التي جرحتني للأبد. غير أنها شكلت الصورة التي حمتني من حقيقة ما يتطلبه العنف ليحصل، تقول الصورة أني وأبي في مواجهة بعض، وبذلك تخفي حقيقة أكثر ألما، وذلك أن العنف يتطلب مناخاً يساهم فيه الجميع ليحصل ويتطلب تواطئا كبيرا ليحصل، وان من ينفذ العنف ليس بالضرورة المسؤول الوحيد عنه.
لأني كنت غير قادرة على قبول ما اختبرت، أصبحت القضايا العامة بالنسبة الي الملاذ الذي يذيب عاري الشخصي وينجيني من موقع الضحية الذي كان نفوري منه مرتبط تماماً بنفوري مما حصل، ومع توسع المجال العام في بيروت في أوائل الألفين، وفتحه تماما بعد أل 2005، وجدت نفسي انخرط في مجموعة نسوية تُدعي نسوية، والتي واجهت نفوراً عميق من الجمعيات النسائية العاملة حين شُكّلت بسبب وجود سرد واضح في خطاب المجموعة عن الجنسانية والمثلية من جهة، ومن جهة أخرى كان لوجود المجموعة نفسه عامل تهديد لتمويل الجمعيات النسائية حينها واللواتي كُن اكثر علانية في ممارسة رهاب المثلية، لم تكن هذه العوامل ظاهرة كثيرا، فاعتقدت الكثيرات منّا أن النفور يرتبط بصراع الأجيال. كان انخراطي في المجموعة بالنسبة الي تطور طبيعي لأي”شابة” قادمة من تجارب يسارية كانت شكلت معرفتي بالتنظيم السياسي وأعطتني نظرة ركّزت الصراع الطّبقي والتنظيم لفلسطين كأرضية بديهية لأي عمل سياسي.
كانت هذه التجارب اليسارية تتمحور بشكل رئيسي على تحريك المدينة تضامناً مع فلسطين وحق العمل للاجئين الفلسطينيين، وفي هذه التجارب كُنا لبنانيين وفلسطينيين وأجانب في مجموعات تكبر وتصغر وتتعارك فيما بينها تحت هامش من الحريات مرسومة ومهندسة تماما من قبل الوصاية السورية في لبنان قبل الانسحاب في 2005. كنت يافعة جدا في هذه التجارب ولذلك، اعتقد أني كنت أحياناُ بوقا يردد أشياء لم افهم عنها شيئا وخصوصا في حيزي الخاص ومع أمي تحديدا التي اذكر أنها مرّة وهي تكيل لي الصريخ لأني لم أكن ادرس لامتحان البكالوريا بالشكل المطلوب، أتهمتها بأنها جزء من الطغمة المالية، والتي صدمت أمي فأوقفت صريخها علي وأنبتني على قلّة تهذيبي وتجاهلتني لبقية اليوم والتي اتصلت بخالتي في نفس اليوم لتفهم معنى الكلمة.
شكلت التجارب اليسارية هذه أول الطريق الذي يؤدي الى الاهتمام بهامش الحريات الكويري والنسوي والذي كان يحرّك حشريتي الخاصة وانا أشك في جنسانية لم يعرفها أهل بيتي والذين كانوا منزعجين جدا من مراهقتي، التي اختلفت عن تلك التي عايشوها مع أخواتي فلم تكن الغراميات والموضة من الأمور التي شغلتني، ووجد أهلي انفسهم في مواجهة مراهقة تقرء روايات أدبية وجريدة قاسيون الصادرة عن الحزب الشيوعي السوري وملحق سفير الشباب وتكتب أقوال للنين وللأسف ستالين على دفاتر المدرسة، وتمضي وقتها بين مخيم شاتيلا ومارالياس، عكس شباب المخيم الحالمين بالتسكع خارج حدوده، ولديها صور فوق سريرها لحنان عشراوي وأبو عمار وعبد الناصر وشي جيفارا في تناقض واضح مع نجوم البوب الأميركي فوق أسرّة أخواتي.
داخل هذه المجموعة تصادمت كل هوياتي وكل ارثي اليساري مع الموجودات، تصادمت فلسطينيتي مع القادمات من خلفيات القوات اللبنانية والكتائب وحيث كنت بالنسبة لهن أول فلسطينية يحتكون بها. كانت المجموعة المكان الأول الذي اصطدمت فيه هويتي الفلسطينية بتجريم، شعرت بأني مجرمة وسط أفراد من الشرطة، ومن ثم تصادمت تجربتي اليسارية مع غياب تجربتهن في التنظيم وتصادمت قراءاتي النسوية المهوّسة بأودي لورد مع الإحساس عند المجموعة بأننا نعيد اكتشاف العجلة، وتصادمت خلفيتي المُشكّلة من ثقافة شعبية مع اللواتي أتين من الطبقات الوسطى والفاحشة الثراء والفاشية الوطنية. تصادمت شخصيتي مع حالة الانصهار إل كلتش* في المجموعة. وتفتح ذلك الشعور بالعار والذي صار يلتهمني.
أصبح موقعي في المجموعة يذكرني تماماً بموقعي في بيت أهلي الذي كنت قد تركته عند أول فرّصة، ففي الوقت التي كانت أخواتي تتمتعان بحب أهلي غير المشروط لأنهما فتيات مهذبات، كنت لا أتمتع بحب أهلي الذي لم أستطيع يوما قط أن أحقق شروطه، فصار أهلي يفضلون أن لا التقي مع العائلة الأكبر إن لم أزيل شعر وجهي وإبطي، أو يفضلون ألا أتواجد في العزائم الكبيرة كي لا يتوتر أبناء خالتي وخالاتي من إجابتي الصريحة عن أي شيء، الى أن رحلت عن البيت وتنفسوا الصعداء.
عاد ذلك الإحساس بالعار الذي حملته من بيت أهلي الى الظهور في مجموعة نسوية وحيثُ كانت مُؤسسة المجموعة حينها تتمتع بنجومية ساطع وسلطة مطلقة، وكنت أنا أتمتع بالنقيض، واصبح عندي سمعة بأني مجنونة و أصبحت المُنضمّات الجديدات الى المجموعة يتم تحذيرهن من اني “بايبولار” فأجد نفسي دائمة الوحدة في مجموعة خلقت الكثير من الصداقات، ولم اترك المجموعة إلا بعدما تفاقمت الديناميكيات الداخلية وتحوّلت المُؤسسة النجمة الى الشيطان الرجيم بالنسبة لأفراد المجموعة الباقيات، بقي لي من المجموعة سمعتي الملوّثة في الحركة ومن ثم في المدينة وكان ذلك دافعاً لي لأرمي نفسي تماما في العام، كنت اعتقد أن إصلاح العام تلقائيا يصلح الشخصي. كُنت أتفادى أماكن كثيرة في المدينة، وانسحب من أي صداقات قد تكون مشتركة مع من كنّ في مجموعة نسوّية، كنت أخاف دائماً من أن يعرف الناس أني تعرّضت لعنف ما أو تشويه ما ولم أعرف كيف أدافع عن نفسي، لكن أكثر ما كنت أخافه، هو أنه لم يحمني أحد، كأني استحق كُل هذا. صارت فكرة أني مجنونة أو خطرة أو وحش شرير أفضل بالنسبة الي من فكرة أني لم أحُم.
اختلطت اللحظة الذي ضربني أبي فيها وخروجي من المجموعة وأصبحت واحدة في رأسي، وصار العار الذي احمله لأني لم أقاوم أبي وكنت حقا أخاف منه، يشبه تماماً خجلي بأني لم أقاوم تلك الأصوات في مجموعة نسوية، ولما لم ارحل باكرا؟ كُل ما صارت تلحُ عليّ هذه الأسئلة، أهرب من أجابتها واندفع لأظل وأنظم وأتعالى، كانت السنوات تمضي وكان عاري يخفف عنه التزامي السياسيـ للعمل العام وما اعتقدت انه تعالي منّي في صمتي عن أمور حصلت لم يكن أبدا من المفروض عن أسكت عنها، لكني أردت أن أكون أي شيء إلا الضحية.
ظلّت الخلافات ضمن الرعيل الأول والثاني من هذه المجموعة يتسرب الى أي تنظيم أو محاولة تنظيم واستمريت في اللقاء ببعض من كُنّ معي في المجموعة في السنوات اللاحقة رغم جهدي الشخصي لتفاديهن، واستمرّيت في تلقي اعتذارات غامضة عن تلك الفترة مثل “لم نكن نعرف” و”أنا لم أشارك”، كانت أمي وعائلتي في تواز غريب مع أفراد من المجموعة، يلقون عليّ جملٌ مبهمة عن انهم أيضا لم “يقصدوا” الخ. كانت الاعتذارات التي تأتي صدفا أو عمدا توترني وتعيدني الى ارض العار، حيث هناك شيئا فيني معطوب سمح لكل هذا أن يحصل، رغم أني لم اسأل يوما عن تفاصيل أكثر، فأجد نفسي في مرة في زاوية صالون بيتنا ومرة في مركز نسوية القديم غيرة قادرة على فهم هذا العنف الذي يشترك فيه الجميع وكيف نتخلص من أثاره علينا.
في مواجهة العار، كان يتحتم عليّ ان أقبل بأن العنف الموجود في بيت العائلة، يُشبه العنف الذي تفشى في مجموعة نسوية، وله تأثير بالغ على نوعية الحياة التي عشتها لاحقا، مثلا أن اذهب الى طبيب نفسي لأعرف إذا أنا بايبولار أم لا، ووجه الذي احمر غضبا عنّي وعاري لأن زرته اصلا. وأن أتفادى أحياء وأشخاص في المدينة تقريبا لأربعة عشر سنة. العيش مع العار ليس سهلاً، لكن الشفاء منه تطلب مني أن انظر اليه كجزء من ممارسة عامة تأخذ شكلا خاصا كان على أن أبقيها في العام وليس الخاص. ويبدو لي بشكل واضح ان مثلا وصمة الجنون كان الصفة الأمثل لتتعامل مع شخص خارج عن المألوف، عن الغريب الذي لا بد أن يكون مريبا والذي يُشبه تمام سردية العنف الأهلي اللبناني وحقيقة وأن أي حديث عن العمل السياسي النسوي وتاريخه من دون سرد العنف في تشكيله لا يبنى عليه
يبدو لي ان هناك ضربا من الغباء، في النظر الى جزء كبير من تاريخ الانقسامات في حركتنا النسوية في لبنان والمنطقة والتعامل معه على أنه انقسام شخصي، وليش سياسي- شخصي. في شفائي من هذا العنف، تضمن أن أنظر الى التاريخ النسوي كأمر قابل على الرواية الشخصية ويتطلب مني أن أحرر نفسي من رقابة ذاتية وفكرة غبية تقول ان إصلاح العام يصلح الشخصي، ربما الشخصي أيضا يصلح العام، وان العار مرتجع، وفي إعادته من الذات الى التاريخ العام نبقيه في مكانه الصحيح، ويتطلب ذلك سرد شخصي لتاريخ عام.
هذا عاركم عندي، مرتجع مع الشكر.
*cultish
سرى.
Leave a comment