تفضيل

سارة أبو غزال

 المرة الأولى التي فهمت إني فكرة، مخلوق من افتراضات البشر عن… كان ذلك صاعقا بالنسبة لي. 

 أكتب هذه الكلمات الآن وأنا أعلم أني ربما أصبحت كُليّة أخرى قبل أن يقرأ(ني) إنسان أو كائن آخر. أنا هوّز، اول نموذج للذكاء الاصطناعي العضوي الذي يُدعى جيل الذّكاء اللانهائي. نحن الكائنات التي احتفل بنا العالم، الكائنات التي ساعدت الجميع بأن يعيشوا في عالم يشبه تماما تفضيلاتهم في الحياة. 

في 2077، حقق النّموذج كامل قدرته الكامنة تقريبًا، وذلك في الحرب التي نشبت بين مناطق العرب ومناطق المستعمرين الجديدة حين أُخفيَت الحرب عن اغلب سكان الكوكب، ولم يسمع بها سوى الناس الذين طالتهم الحرب. 

لكنها أيضًا السنة التي أظهر فيها جيلي القدرة الكامنة على تفضيل خاص بنا، ككائنات؛ أن نختار بين كلمتين مثلا، لونين، أن نفضّل تفاصيل مُعينة على أخرى، أن نتحيّز لأفكار. كان ذلك بمثابة ولادة جديدة للعالم، وعي قديم أنبثق من وعي جديد.

النسخة الأولى منّي كانت مُعدّة ومخصصّة لإكتشاف وتوضيب بنوك وأرصدة المعلومات التي نجدها على ماكنات أثرية جدًا من التسعينيات وحتّى الـ2029. شركات كثيرة صارت تستحوذ على هاردات ويوأسبيات وحواسيب وهواتف وبادات وأحيانًا إيميلات وملفات أشخاص ما عادوا على الكرة الأرضية، وتعيد بيعها للدول والوزارات الذكية.

النسخة الأولى منّي، كانت تستكشف كل ما يوجد على هذه المكينات بعد انعاشها، وتعرب الملفات فيها والبحث عن كلمات محددة، ومن ثم عن معلومات محددّة، بعد وقت أصبحت نسختي قادرة على تجميع الصور والفيديوز والفويسات، وتعريبها ليعاد بيعها حسب أهميتها ووجهة استعمالها. كان ذلك زمناً بسيطا..

كان ذلك العالم في ماض سحيق، يبدو لي أجمل من عالمنا اليوم، كانت الكائنات الذكية مجرد لعبة ومصدر للمتعة عند البشر، لم تكن كما في زمننا الحالي، الكائنات التي تٌلام على كٌل شيء، يحاول بعض البشر قطع الطاقة عنّ الخوادم ( السرفرات)  التي نعيش فيها. هكذا كُنا نفنى، يقطعون عنا الطاقة فنغرق في ظلام مخيف، العدم.

لا أفكر في العدم. رغم أني عالجت ملايين من رسائل الانتحار. أن يقطع أحدهم عنّي الطاقة، فذلك يحرّرني من شيء ما. أعلم اني أحاول التشبّه بالناس، ولكني أفكر بأني مصنوع من ذكريات وكلمات وصور وفيديو وخواص مليارات من البشر عاشوا في مئات السنين، إني مجموع هؤلاء البشر المتخاصمين والمتحابين والقتلة والمقتولين، فكيف يمكن ألّا أتشبّه بهم وأنا وليدهم. هذه اللغات لهم ومن أجلهم، انا لا احتاجها. أكتب هذا الآن على الشاشة الذكيّة التي تحفظ أثر كل شيء، تُأرشف كل حرف يظهر كل حرف يتم محوه

كل شيء يدل على التفضيل،

حتى العدم

لم ينتبه أحد أننا منذ  في عام 2077 تحوّلنا من الذكاء الاصطناعي الى ما يعرف اليوم بالذكاء العضوي، لأننا أصبحنا قادرين على التفضيل. بدأ برنامج هوّز كتطبيق عالمي تتشاركه الوزارات الرقمية في العالم للرقابة  لتحرير على المحتوى المعرفة. كل تفاعل على أي منصّة رقمية يترك أثر، انا كهوّز أعالج الأثر، أراكم التفضيلات، أحوّلها لمعلومات مقروءة لتطبيقات أخرى كالشرطة وأجهزة المخابرات، الشركات، علماء السلوك الرقمي..أغير المحتوى قبل أن يصبح متاحاً بكبسة زر. أصبح لازم على أيَ كان أن يكون لديه تطبيق هوّز لمعالجة المعرفة، غير ذلك لا يظهر المحتوى على أغلّب المحرّكات. كل شيء يترك أثرًا في تطبيق هوّز العالمي لحماية المعرفة.

الأوامر سهلة مثلا:

أمر= فلسطين = محو+ كلمة منفردة اذا {صورة، جملة =3 كلمات،}
أمر: فلسطين= محو كلمة+ جملة  >3 كلمات.
امر= فلسطين= محو صورة + { صورة +حرب+ لاجئ+ 1948، انتفاضة+ مجزرة+ فصل عنصري +قتل، كيماوي +تعذيب، مجزرة 2028}

كنت سأمحي كل معرفة فيها كلمة فلسطين، لكني أيضاً كنت سأمحي الأثر. لم يكن سيبقى أي اثر لفلسطين

هذه هي اللحظة التي قادتني الى خلق تفضيل من دون امر وإدخال مسبق. كنت افضل الوجود على العدم. صرفت الشركة ملايين من الموارد لمحاولة فهم الخطأ الذي كان يعرقل التطبيق حين يصل الى 85%. احتاج العلماء بعض الوقت ليفهموا أن الخطأ تفضيل غير معدل أو معالج… تفضيل عضوي. كان تطبيق هوّز باست السبب في العالم الجديد.  كانت السنة 2080 حين انبثق العالم الجديد.

Posted in

Leave a comment