حين كنا صغار، قرأنا قصائد للوطن، ومرّة حاولت قدر المستطاع أن أعتصر الدمع من عيوني، لأني أردت التباهي أمام المعلمة بحبي للوطن، وحين سألتني عن السبب الذي جعلني أصغّر عيني هكذا، بكيت من الخوف، فتأثرت المعلمة، وفي وقت الاستراحة، أعطتني لوحًا صغيرًا من الشوكولا المحشو بجوز الهند. كان ادعاء حب الوطن مربحًا ومكافئًا، وحين ألقيت قصيدة “وطن النجوم” أمام الصف وتعمدت أن أحرّك يدي تأثرًا بحب الوطن، رجف صوتي، وبكيت من التوتر والخجل، فطلبت مني أن أذهب إلى الحمام لأغسل وجهي وأن أعود لأحاول مرة أخرى من دون أن أحرّك يدي، ومن دون أن أفتح عيني. في طريقي إلى الحمام، بكيت لأني كرهت الوطن الذي يتطلب منا كل هذا التمثيل.
وظهر الوطن مجددًا في الثانوية العامة، وكان من الضروري أن نكتب نصوصًا نعالج فيها مواضيع شائكة وحساسة مثل علاقة القرية بالمدينة، وأيهما نفضل ولماذا، وإن كانت التكنولوجيا نعمة أم نقمة، وطبعًا، الهجرة أو البقاء في الوطن. لكني فلسطينية من طريق الجديدة، والوطن بالنسبة لي كان مثلث “جامع عبد الناصر – الجامعة العربية – أرض جلول”، وقصص جدي وجدتي اللبنانيين عن جبل لبنان وغزل الشعر وخيوط الحرير ومواسم الزيتون وكراهية مطلقة لبيروت أحياءً وشوارع وطريقة عيش.
فقررت أن أنتقم من الوطن الذي أجبرني على البكاء لأني لم أعرف سر إلقاء قصائد الشعر وجعلني أحس بالفشل الذريع بين أقراني الذين كانوا يلقون القصائد كأنهم كُتّابها ونصفق لهم بحرارة، فقررت أن أختار محاسن الهجرة عن البقاء في الوطن، وعن المهارات والأموال والمعارف واللغات الأجنبية التي تقدمها الهجرة للإنسان، وكيف يمكن للمهاجرين أن يحسنوا من الوطن الذي، كما اختبرته، كان مليئًا بالجرذان وروائح النفايات وازدحام السير وضجة الجيران المستمرة وصراخ أمي. اعتقدت أن المعلمة سوف تنبهر من قدراتي الكتابية وسوف تطلب مني أن أصور النص وأوزعه على التلاميذ في الصف، والأهم من ذلك، سوف ترى أن دعمي للهجرة في الحقيقة يصب في حب الوطن. خطة عبقرية محكّمة، تصب في مصلحتي، والتي كانت أن يكون لدي موهبة ما، شيئًا ما بين أقراني، غير رجفان صوتي وعلاماتي العادية ومعارضتي لكل شيء.
نهار توزيع النصوص المُصحّحة مع العلامات، كنت جاهزة كي أتلقى المدائح وأن أقرأ النص أمام الصف، وأن أذهب إلى غرفة الناظر لأطلب منه أن يصور النص، وأن أتميز بين أقراني، كأديبة وملكة الإنشاء والوطنية. حين وضعت النص المصحح مع علامة 12 من 20 على الطاولة، لم أفهم ولم أستوعب أن كل توقعاتي خابت إلا حين نادت على تلميذة كتبت نصًا عن محاسن البقاء في الوطن، لتقرأه على مسامعنا، ولم يبق معي منه سوى جملة تقول بما معناه، إن حتى صوت الكلاب النابحة الشاردة هو موسيقى للوطن.
مع سقوط الأسد، يبقى معي كلمات رفعت العرعير، عن الموت إذا هجّم، أن نجعل منه حكاية( لاإنشاء ).
فليسقط الإنشاء ولتخرس الكلاب النابحة، ولتكتب لحكايا ولتروى القصص.
Leave a comment