• معاداة النسوية: كراهية معولمة محلّياً

    English translation : https://www.gwi-boell.de/en/2023/12/01/anti-feminism-global-hate-local-contexts

    كتبت هل مقال ل هنرش بول وبعدين بلشت الابادة فشلت اسمي بعدين حسيت ليش شيل اسمي اذ فيني انشرها عندي لان انسحبت بسبب دعم هنرش بول للابادة.

     

    في السنوات العشر الأخيرة، شهدنا على نهايات مُرّة لثورة يناير في مصر والثورة السورية، وصولاً إلى انتفاضة 17 أكتوبر 2019 في لبنان، ودخول السودان مؤخّرًا في حرب عسكرية – أهلية، لُفظ فيها النفس الأخير لآمال رفعتها هذه الثورات. في خلال هذه النهايات المُرّة، تصاعدت بشكل متزايد سرديات مناهضة للنسوية وحقوق الإنسان في المنطقة، الذي أضحى يحكمها وبشكل واضح مناخ سياسي أكثر قمعًا وعدائية تجاه العمل الأهلي وحقوق الإنسان، وخصوصًا حقوق النساء، مُستفيدًا ومُتأثّرًا بوصول “اليمين” إلى السلطة في الكثير من الدول الغربية.   

    بالنتيجة،  تأثرّت الحركات النسوية بالسياسات الأمنية التي أغلقت  المساحات الجديدة والكبيرة في العمل الأهلي والسياسي، بعد أن فتحتها الثورات والحركات الاجتماعية في المنطقة، وكذلك تضرّرت  من العنف الأهلي والاقتصادي الذي دمّر البنى التحتية النسوية في لحظة واحدة أوقفت امتداد لحظات مهمّة في التاريخ النسوي، مثل ما يحصل في السودان ولبنان مؤخّرًا، والعراق وسوريا قبلهما.

    رافق نمو  الحركات النسوية في المنطقة مع اهتمام كبير من الصناديق العالمية النسوية. سرّع التمويل الكثير من المراحل التي تختبرها الحركات الاجتماعية في نموّها عادة، وساعد النسويات والحركات النسوية بأن تكون جزءًا أساسيًا مؤثرًا في الكثير من تكتلات المجتمع المدني والحركات السياسية المعارضة في مختلف بلدان المنطقة، وبالتالي الانتقال التاريخي من موقع محايد تاريخيًا  في علاقته مع النظام إلى موقع معادٍ ومعارض للأنظمة.

    في خلال هذه السنوات، جاءت النسويات بأدوات غير تقليدية في التنظيم والحملات السياسية والمحتوى النسوي والسياسي الحسّاس تجاه الجندرة، واستطاعت أن تؤثّر في البيئات السياسية المتنوّعة ما بعد 2011 بشكل عميق. وعلى الرغم من أن انتشار التسمية أفقد  العمل النسوي العمق في التحليل والاستبصار الضروري للسرديات النسوية الحالية، إلّا أنه نجح في جعل الكثير من الأسئلة النسوية عامة لا فئوية، وخصوصًا فيما يتعلّق بقضايا الأجور والعنف الجنسي والعنف الجسدي والتمثيل السياسي والتمييز القانوني، وفي الأحوال الشخصية والعلاقة بالجسد والجنسانية. وبناء على ذلك، تصطدم الجهات المعادية للنسويات والتحرّر حاليًا بخطاب نسوي عام ومنتشر في كتلة محلية وإقليمية وعالمية، حاضرة في العالمييّن الرقمي والمباشر. وعلى الرغم من أن معادة النسوية والنساء وفئات أخرى من مجتمعات منطقتنا ظاهرة وموجودة منذ ما قبل المناخ الحالي، ثمّة  تغيير نوعي في الهجوم على النسويات وتقويض بديهيات نسوية تنتشر مثل النار في الهشيم بين نساء وفتيات وأفراد منطقتنا من المحيط إلى الخليج، يستفيد بصعود اليمين وسردياته المعادية للحقوق ويتأثّر به.

    الحركات المعادية لحقوق الإنسان

    في الاصطدام الحالي ضدّ النسويات في منطقتنا، نرى معالم ما يعرف بـ “الحركات المناهضة للحقوق” (anti -rights actors) العالمية، والتي تشكّل التيّارات المعادية للنسويات (anti-feminist) أحد أوجهها، ونشهد بوضوح كيف تتقاطع سرديات هذه الحركات مع حوادث التحريض على النسويات وحملات الكراهية ضدّهن.

    تعرّف منظمة النساء في التنمية (AWID) الجماعات المناهضة للحقوق بأنها مؤسّسات وجماعات ذو تأثير عام تعمل على معارضة ومحاربة تقدّم الحركات النسوية والكويرية في العالم وتحاربها، من خلال تنظيم نفسها وتنظيم حملات مناصرة تهدف إلى مواجهة ما يعتبرونه “شرًّا نسويًا ومثليًا”، يهدف برأيهم إلى هدم الأسرة وشكلها التقليدي، وإقامة تغيير جذري في الجندر والجنس من أجل تقويض دور الرجل البيولوجي والطبيعي، وكذلك دور المرأة الطبيعي والبيولوجي. وتعمل هذه المؤسّسات والجماعات على تجريم العمليات المؤكّدة للجندر، ومناهضة العابرات والعابرين بشكل خاص وعدم الاعتراف بهن كنساء أو رجال.

    تشير أيود إلى أن المجموعات المناهضة للحقوق العالمية بنت نفسها من صلب الحركات الدينية والأحزاب اليمينية، ولكن تحت غطاءات مؤسّسات تدعي أنها جزء من المجتمع المدني العامل في مجال حقوق الإنسان، وتصدّر نفسها كمدافعة عن حقوق الأسرة  الطبيعية لمناهضة المؤامرة ضدّ الأسرة التقليدية، وتنشط هذه المجموعات أيضًا في مجالس حقوق الإنسان في جنيف ونيويورك، حيث تقام اللقاءات الدورية للمجموعات العاملة في الأمم المتحدة، وخصوصًا المراجعة السنوية لوضع المرأة (CSW) التابع للأمم المتحدة، فتحاول تغيير اللغة المستخدمة في اتفاقيات الأمم المتحدة وقراراتها، ولا سيما فيما يتعلّق بالعنف الجنسي والإجهاض والعبور ومحاربة التطرّف الديني وحقوق المثليين وغيرها. 

    تقاطع اليمين العالمي مع الكراهية المحلّية

    تظهر في منطقتنا، مجموعة من ردّات الفعل والسرديات والمصطلحات والمواقف السياسية – القومية، التي تتقاطع مع خطاب المجموعات المناهضة لحقوق النساء والإنسان وطرق عملها وإن يصعب تحديد تعاون مباشر وعلني بين هذه المجموعات والمناخ المصطدم والمحرّض على النسويات في منطقتنا، يسهل تسليط الضوء على قواسم مشتركة بينهم، لا سيّما طرق التنظيم والسرديات والمصطلحات المستخدمة،  عدا عن وتحديد كيف تقاطع اليمين العالمي الصاعد مع الكراهية المحلّية ضد النساء، وتحديدًا النسويات والمثليين.

    تساعد هذه التقاطعية في النظر إلى السياق العالمي لعودة اليمين (بكل أشكاله) كمناخ حاضن وأساسي في صعود التصادم ضدّ النسويات في المنطقة العربية، بدءًا من الصعود الحادّ للخطاب المحافظ والمعادي للحرّيات مع وصول دونالد ترامب إلى الحكم في الولايات المتّحدة، مرورًا بتركيا وخروجها من اتفاقية اسطنبول، وفوز اليمين في إيطاليا والسويد وبولندا، وتشريع قانون يحيل المثليين إلى الإعدام في أوغندا، وكراهية المثليين والنسويات في روسيا. ومن ثم  تبيان معنى إمساك اليمين بالسياسة والتشريعات في أوروبا وأميركا، بعد سنين  من الاشتباك والاصطدام مع الخلفية التي شكّلت النقاشات العالمية النسوية، وبرزت من خلال “ME TOO أو “أنا أيضًا”، وفتح صندوق باندورا عن العنف اليومي الذي تواجهه النساء في العالم، ووصول مظاهرات تشريع الإجهاض في بولندا والأرجنتين الى الرأي العام العالمي.

    وصل صدى الخطاب اليميني المعادي للحقوق في الغرب إلى  المؤسّسات الرسمية والدينية والأحزاب القومية-الليبرالية في منطقتنا، وألهمها في تغيير طريقة هجومها والتحريض على النسويات والقضايا النسوية، فانتقلت من اعتبار القضايا النسوية منتجًا غربيًا-استعماريَا إلى الهجوم والتحريض على النسويات من منطلق مؤامرتي يهدف إلى تفكيك الأسرة والدين والمسّ بالطبيعة (المرأة والرجل). بالنتيجة، تحوّلت كراهية النسويات إلى جزء من فكر حمائي يتعلّق بالأطفال والعائلة والوطن،  وتحوّل الاطمئنان من محدودية التأثير النسوي على المجتمع أو السياسات الحكومية، إلى قلق، واستعار حجّة حماية الأسرة من الشرّ النسوي للهجوم على النسويات والتحريض ضدّهن  باعتبار أن النسوية تؤجّج الصراع بين الأزواج، وتدمّر الأسرة، وتخلّ بالأدوار المختلفة التي يتحتّم على النساء  القيام بها، في تخاطر مع أفكار ومنطق اليمين العالمي. ويمكن بخطوات بسيطة عبر الإنترنت معاينة عولمة الكراهية في السياق المحلي، من خلال الكمّ الهائل من المحتوى الذي ترجمة محتوى حركات مناهضة الحقوق واليمين في أوروبا وتعريبها.

    الاصطدام بالنسويات: دولة ومؤسّسات دينية ورجال في أزمة

    سمحت عالمية النضالات النسوية للكثيرات برؤية جدوى النضال المحلي، والأهم من ذلك، ساعدت الصور من المظاهرات وانتشار محتوى “أنا أيضًا” في التأكيد على أن النضال النسوي قادر على أن يشكّل كتلة مؤثّرة، وأن يكون أكبر بكثير من مجموعات صغيرة أو مؤسّسات محلية. ونرى ذلك بشكل واضح في تأثير حركة وثورة “إمرأة، حرية، حياة” في إيران، على السرديات النسوية في منطقتنا. وأكثر من ذلك، أكّدت هذه اللحظات على ارتباط بين العدالة والمساواة للنساء وبين العدالة والمساواة للجميع.

    يمكن مثلًا النظر إلى حملة التضامن العفوية والنقاش العام وردّات الفعل على مقتل إسراء غرّيب  على يد رجال عائلتها في فلسطين، الذي وقفت خلفه صديقات وقريبات لإسراء لسن بالضرورة نسويات، وحرّك منطقتنا اعتراضًا، وأجبر السلطة الفلسطينية على المباشرة بالتحقيق في جريمة القتل على الرغم من انتفاء نيّة المحاسبة لاحقًا. فَضحت هذه الحادثة عشرات القصص عن قتل النساء في فلسطين ولبنان ومصر والعراق من دون أي محاسبة أو خوف، وساهمت في بروز تنظيم طالعات النسوي الفلسطيني الذي اشتبك مع الخطابات التي حاولت أن تساوي بين الاعتراض على قتل النساء وخيانة القضية الوطنية كاستراتيجية قديمة في منطقتنا، كانت ولا زالت تبتز النساء عند الاعتراض. ويمكن فهم هذه اللحظة الجماعية النسوية المنتفضة لحق إسراء، كدليل على وجود كتلة نسوية كبيرة مؤثرة لمواجهة العنف، ولو بشكل رقمي على وسائل التواصل الاجتماعي. عدا عن مشاركة أحداث قتل وتعذيب وضرب تستهدف النساء لأنهن نساء، وخلق نقاشات عامّة أجبرت السلطات أحيانًا على التحرّك، ونقل مناهضة العنف وفضحه من عاتق المجموعات النسوية إلى عاتق نساء وأفراد ليسوا بالضرورة نسويات.

    يمكن النظر، إلى انتشار ما يمكن أن نطلق عليه “بديهيات نسوية” عن العنف والتحرّش والمحاسبة والتمييز، أضحت تشكّل توقّعات اجتماعية عند ثلاثة أو أربعة أجيال من النساء والأفراد غير النمطيين، من دون أن يكون ذلك متعلّق بنشاطية ما. ويمكن الاستنتاج أن الاصطدام الحالي وعنفه ضدّ النسويات والكويريين في منطقتنا، يتعلّق بالذعر من الكتلة نفسها ومن البديهيات أيضًا، في محاولة لتقويض أثر العمل النسوي على توقّعات النساء والأفراد غير النمطيين وممارستهم في المنطقة.

    ويمكن أيضًا رسم ملامح للجهات التي تحاول لجم الكتلة النسوية وتقويض البديهيات النسوية المُنتشرة. أحيانًا لا تكون هذه الجهات متحالفة بين بعضها بشكل تام، لكنّها تستفيد من تقاطع كراهيتها للنسويات. يمكن اعتبار الأنظمة الحاكمة لاعبًا أساسيًا في التحريض على النسويات وترويج الكراهية ضدّهن، ويمكن مثلًا الانتباه إلى الدور التحريضي الذي لعبته السعودية واليمن وقطر والكويت وغيرهم من دول المنطقة في خلال أعمال الجمعية العمومية للأمم المتّحدة لعرقلة تبنّي القرار الخاص بالإعلان العالمي لحماية المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان، وخصوصًا تلك التي تتعلّق بالأفعال الانتقامية والعنف الجنسي تحت حجة معارضتها للثقافة المحلّية كمثال على التزام دولنا أحيانًا في الحدّ من السياسات العالمية التي تعترف بدور النسويات وبطريقة غير مباشرة، منعها من التأثير على النسويات محلّيًا. 

    تجريم الممارسات النسوية

    يمكن النظر إلى سياسات السعودية في السنوات الست الأخيرة، من بين دول أخرى، كمثال على كيفية تحريض الدولة وكرهها للنسويات، من خلال تجريم العمل الأهلي والدفاع عن حقوق الإنسان، واعتقال الناشطات المعروفات كدرس للأخريات، ومحاولة تجريم الفكر النسوي باعتباره يهدّد أمن الدولة، وأيضًا من خلال مصادرة النضال والعمل على إقرار إصلاحات معيّنة مثل نظام الولاية، من دون السماح بتكوين مجتمع مدني والاستمرار باعتقال ناشطات مغرّدات أو منع السجينات السابقات من السفر، وسط رقابة شديدة على المحتوى الرقمي، وفي المقابل فتح المجال لإنتاج محتوى محرّض على النسويات في الإعلام الرسمي والرقمي يستعمل لغة الجماعات المناهضة للحقوق.  

    وتبرز مصر كمثال آخر على تجريم مناهضة الممارسات النسوية من قبل الدولة.، ففي العام 2021،  سجِن شهود في قضية الفيرمونت المتعلّقة بقضايا اغتصاب، فتمّت معاقبتهم بسبب تبليغهم والشهادة في هذه القضية التي شجّع المجلس القومي للمرأة المصرية على تقديم بلاغات حولها. ونجح إسلام العزازي المتهم بالاعتداء الجنسي والاغتصاب في رفع دعوى تتهم نسويتين بالذم والقدح وتعمّد الإزعاج بسبب مشاركتهن شهادات لناجيات. لم تحقّق الدولة في أي من هذه الشاهدات المنشورة. ووفق النمط نفسه، تم استدعاء الناشطة النسوية في لبنان حياة مرشاد للخضوع لتحقيق خاص في شعبة الجرائم المعلوماتية عقب نشرها شهادات ضدّ متحرش متسلسل، لم تتحرّك النيابة للتحقيق معه على الرغم من الإخبارات الموجّهة ضدّه.

    الجماعات والمؤسّسات الدينية

    في سياق متصل، تعمل المؤسّسات الدينية بغطاء عشائري أو حزبي أحيانًا على التحريض الممنهج ضدّ النسويات. في السنوات الأخيرة، شهدت منطقة الخليل في فلسطين تحرّكات مناهضة لاتفاقية سيداو من قبل عشائر، اعتراضًا على مطالبة النسويات في فلسطين بتحديد سن الزواج بـ18 عامًا، ومنع الكوادر النسوية من الدخول إلى المدارس بهدف التوعية ضدّ العنف، وشنّ حزب التحرير الإسلامي حملات ضد ساما عويضة الناشطة النسوية يتهمها بالتحريض على الفسق والفجور بسبب مناصرتها لإقرار اتفاقية سيداو. في المقابل، لم تبادر المؤسّسات الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية إلى التحقيق بالتهديدات أو أخذها على محمل الجد.

    وفي لبنان، بلّغ دار الفتوى اللبناني وزارة الداخلية في صيف 2022 بعزمه إيقاف مسيرة ونشاط مثلي وتصدّيه لهذه الظاهرة، وبالفعل نظّمت وقفة ضدّ المثلية دعمًا لدار الفتوى، ودعم شيخ عقل الدروز موقف دار الفتوى، بالإضافة إلى ظهور ما يدعى بجنود الرب، وهي مجموعة مسيحية تناهض المثلية (والنسوية بطبيعة الحال) وتهديدها محلات ومقاهي وضعت أعلام قوس قزح، في اتحاد طائفي وديني ضدّ المثلية.

    وفي الأردن، أصدر بعض الدعاة الإسلاميين في تموز/يونيو الماضي دعوة لتكفير وإقامة الحدّ على الناشطة هالة عاهد بسبب تنظيمها­­­­ تدريبًا عن النسوية في عمان، في ظل صمت تام من المؤسسات الرسمية الأردنية المعروفة بعدائها لهالة. وقد كشفت الأخيرة عن اختراق هاتفها من قبل مؤسّسات قد تكون رسمية. وحاليًا، أطلقت حملة أمنية تطال المثليين في الأردن.

    إلى ذلك،  تشهد المنطقة حملات جديدة تتمتّع بغطاء ديني يهدف إلى المحافظة على الأسرة والأدوار “الطبيعية فيها”، ومبنية على مبادئ التسويق الإعلامي، مثل فطرة في مصر، ومش طبيعي في لبنان، ويمكن أيضًا الوقوف عند  خطاب حسن نصرالله في لبنان ضدّ المثليين، وأيضًا دعوة مقتدى الصدر في العراق  لمناهضة المثلية من “دون عنف“، وصولًا إلى  العمل على إقرار قانون في العراق يجرِّم المثلية.

    تعمل هذه الجهات على إنشاء جمعيات تهدف إلى إقرار قوانين وأنشطة ترفع الوعي عن مخاطر النسوية والمثلية. على سبيل المثال، أنشئت في لبنان جمعية تحت اسم التجمّع اللبناني للحفاظ على الأسرة، تهدف إلى التوعية بمخاطر الشذوذ الجنسي وأنشئت حملة أخرى لحماية الأسرة والمجتمع تابعة لهيئة العلماء المسلمين. أيضًا برزت  صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل ريد بيل ربيك، تنشر محتوى معرّبًا يحرّض على خطر النسوية على العائلة. 

    ويؤدّي الرجال المأزومون في منطقتنا دورًا هامًّا في هذا الاصطدام، ولا سيما لناحية تعريب وترجمة محتوى ينطوي على كراهية النسويات والنساء، نقلًا عن نجوم اليمين المتطرّف والمحافظين مثل أندرو تايت الذي أعلن إسلامه من فترة وجيزة، أو جوردن بيترسون. وينتشر هذا المحتوى  وهذا المنطق الطبيعي المناهض للنسويات، ويحدّ من قدر النساء بشكل عام. وللمفارقة، نجد كمًّا هائلًا من الحسابات لناشطين يساريين يعيدون نشر محتوى جوردن بيترسون، الذي يحاول الربط بين النسوية والمَرض النفسي عند النساء. أيضًا تنطوي أدوار هؤلاء الرجال  على مساعدة ضمنية للسلطات الأمنية، على سبيل المثال،سجنت الشرطة المصرية إنفلونسر على تيك توك بتهمة “الإساءة لقيم الأسرة المصرية“، بالاستناد إلى بلاغات قُدِّمت من رجال ووإنفلونسرز مصريين ذكور، اتهموا الفتيات بالدعارة والاتجار بالبشر وخدش الحياء العام.

    الاصطدام بالبديهيات النسوية: استراتيجيات النضال والاستمرار 

    ترسم التنظيمات والحركات النسوية خريطة دالة عن كيف تتصل منطقتنا ببعضها، وفي الوقت نفسه كيف تنفصل في مقاربات ولحظات خاصّة بها، مثل تنظيمات المهاجرات العاملات في المنازل في لبنان، ونضالات بائعات الشاي في السودان. وينتج تقاطع القضايا النسوية سردية دالّة أيضًا على تقاطع الأنظمة والجماعات المناهضة لحقوق الإنسان في منطقتنا، خصوصّا مع بروز سرديات مثل حماية “قيم الأسرة المصرية”، ومحاولة تجريم النسوية في القانون السعودي واعتباره شكلًا من أشكال التطرّف قبل التراجع عنه، أو إعادة تفعيل أخلاقيات النظام العام في السودان، أو التحرّيض على المؤسسات النسوية في فلسطين، وأخيرًا إحالة قانون يجرّم المثلية في العراق إلى اللجان النيابية. وفي متابعة مسارات هذه الحركات، يمكن أن نفهم حجم التغييرات، خصوصًافي السنوات الأخيرة، وفهم تأثير النسويات في منطقتنا على الإنترنت والعكس أيضًا.

    على سبيل المثال، يمكن رؤية المقاومة النسوية على الإنترنت في مواجهة حملات الكراهية والتحريض من خلال الاستمرار في التنظيم النسوي وإن بأشكال مختلفة. ولكن الأهم من ذلك، من خلال تنظيم حملات تضامن محلية عملت على مواجهة التجريم والاستهداف في قضية الفيرمونت أو استهداف رشا عزب وسلمى الطرزي في مصر، ومن خلال حملة التضامن المحلية مع ساما عويضة في مواجهة التكفير. ويمكن النظر إلى زيادة انتشار الأخبار عن قتل النساء داخل الأسر وخارجها،، كإصرار على المضي قدمًا في مشاركة أخبار القتل وتحويل هذه الجرائم من حوادث عنف فرديةمن دون أي دلالة إلى نقاش عام عن العنف الممنهج والكراهية ضدّ النساء.

    يمكن رؤية استثمار النسويات بشكل واضح في الإنترنت كبناء أساسي في ضخّ محتوى يشتبك مع التحريض والعنف من جهة، وكبناء يضمن الإفلات من القبضة الأمنية أحياناً من جهة أخرى، فضلاً عن الاستفادة من قوّة الإنترنت في تحريك الرأي العام وتسليط الضوء على الأحداث بشكل مباشر ومؤثّر، أسوة بما حصل في قضية “وسام وفاطمة” المحتجزتين في غزة إلى اليوم، وقضية “مذهلة ” في الإمارات العربية المتّحدة، وبالتالي وإحراج الدول في لحظات كثيرة ودفعهم المؤسّسات الرسمية للتحرّك أو إنشاء مجموعات مجهولة ومؤثّرة لبناء حركات عابرة للمنطقة وترتكز على الكتلة النسوية الموجودة في المنطقة وقدرتها على خلق نقاش عام.

    وفي الوقت نفسه، يمكن التفكير بالتغييرات في الرقابة على المحتوى الموجود على منصّات التواصل الاجتماعي وانحياز هذه الرقابة بطرق ملتوية ضدّ الكثير من المواضيع، ومن ضمنها الخطابات النسوية التي تصنف “كمحتوى محرّض على الكراهية”. ويضاف إلى ذلك،  اتساع الفايسبوك لمحتوى كاره للنساء والمثليين والنسويات بحجّة “حرية التعبير”. والأهم والأساس، هو تفاعلنا على الفايسبوك الخاضع للألغورثيم، الذي يكرّر المحتوى الأكثر مُشاهدة ويأسر المستخدمين في فقّاعة من المحتوى المماثل. ويمكن أيضًا، رؤية التغييرات الأخيرة على منصّة تويتر كدليل على هشاشة وجود النسويات ككتلة، بسبب خطاب إيلون ماسك ومعتقداته السياسية، وأثر ذلك على المحتوى وتجربة الاستخدام وحُسنها وراحتها وقدرتها على تمرير المعلومات والتواصل. والأهم، وضوح انحيازها إلى الحركات المناهضة للحقوق، وعملها على إغلاق مدى المحتوى وتقسيم المستخدمين وتفريقهم.

    مع ذلك، لا تتعلّق هشاشة الكتلة النسوية بوجودها على منصّات التواصل الاجتماعي فحسب، وتأثّرها بالرقابة على المحتوى، ومواجهتها بمحتوى مُحرّض وعنيف، بل أيضًا بالتجريم والاصطدام والكراهية الموجودين خارج هذه المنصّات، وخفوت المؤسّسات النسوية والحقوقية النسائية في منطقتنا بسبب الاستهدافات الأمنية ومناخ الرقابة البوليسية (أسوة بمصر والخليج)، والحرب (سوريا والعراق)، أو الانهيار الاقتصادي وأداء الدولة (لبنان)، عدا عن الاستنزاف والعنف اليومي ضدّ النسويات سواء في الحياة المباشرة أو الرقمية والخاصة، واستنزاف قدرة هذه الكتلة على التضامن والتفاعل مع حملات التحريض اليومية. فضلاً عن محدودية انتشار المحتوى النسوي مقارنة مع ذلك المعادي للنسويات.

    في النهاية، تبقى الكثير من الأسئلة مفتوحة، وهي تتعلّق بكيفية نجاة النسويات من الاصطدام الحالي، وبأي شكل، وبأي خطاب؟ يبدو واضحًا أن هناك نيّة واضحة من الحركات المعادية للحقوق في منطقتنا من أجل تقسيم القضايا والعاملين عليها. وبالفعل نشهد حاليًا هجومًا مستعرًا على المثلية، وجرّ النسويات  إلى الصمت على هذا الهجوم، أو استنكار المثلية لتحييد نفسها عن الهجوم المقبل، أو الدفاع عن المثلية وتلقي العنف. وهو نهج يعمل بإيعاز من الدولة، أو يستفيد من أذرعها الأمنية لتقويض النسويات. أمّا السؤال الأساسي فهو مدى وعي الحركات النسوية ومجتمعات الميم في منطقتنا بتنظيم خطاب الكراهية، ومدى التفكير في مواجهته بطريقة قصدية، والبحث في مدى نجاح هذه المجموعات المُحرّضة على استمالة داعمين تحت غطاء حماية الأسرة، وانتشار خطاب يربط بين النسويات والمثليين وبين هدم الأسرة. والأكثر من ذلك، فهم وتحديد الجهات المعادية للحقوق على مستوى محلي، والعمل على مناهضتها محليًا، والتفكير بكيفية محافظة النسويات على أنفسهن وسط كراهية محلية أضحت معولمة، وأثر ذلك على الاستمرارية والنجاة بأقل ضرر ممكن.

  • (مخطوطة لكتاب اعمل عليه)

    كنت قد كتبت النص أعلاه في أول السنة، وتسارعت أحداث الحياة ومنطقتنا، وكنت قد نويت نشر نسخة قديمة منه ومن ثم عدلت عن الفكرة، لأني علمت أن أحد الأفراد في تاريخي المشترك والتي قيل لي أنها تعاني من “انهيار نفسي” قد تتأثر سلبا بما ستقرأ. اعتقد أني أيضا كنت خائفة من نشره، من مشاركته، من فتح ماض يبدو أحيانا أنه بعيد وغير مهم، لكني اعتقد، أني خفت من العام وعنفه أيضا، لكني أرى هذا العنف يتكرر ويشتد، وأحيانا، يتسبب بقصد أو عن غير قصد بموت بطيء ومبكر.

     ربما فتحت الإبادة، جرح المحو وإلغاء الملازمان لحركتنا النسوية في المنطقة، تلك الحركة النسوية التي إعادت الامل في إمكانية تغيير حيواتنا الى الأفضل، كما خلقت لغة سياسية جديدة، استطاعت ان تسمي الأشياء باسمها. في تاريخي النسوي اللبناني، يتم محونا، نحن الفلسطينيات في هذا التاريخ، ويتم التعامل مع العنف الذي استقبلناه ونستقبله يوميا من رفيقات، بشكل مُجهّل كأنه يحصل لشخص ما في مكان ما. في هذه اللحظة في الفوضى العارمة في تاريخنا المشترك، يتوجب على ان اعيد سرد تاريخ شخصي وعام، بدء مع مجموعة ميم ونسوية وحتى تأسيس ورشة المعارف و التحالف الإقليمي..

    لكني اليوم، اعتقد بحاجة لمشاركته (النص) لأحرر نفسي من ماضي وعنف ليسا ملكي. بل أيضا لأن في الأوان الأخيرة، ومع الهجمة ضد المثليين والمثليات والنسويات وقتل النساء الترانس لومحو دور الغرباء مثلي في بناء الحركة النسوية والكويرية، هناك حاجة لسرد مقاوم للمحو .

    يبدو لي ان ما يعيق أي نقاش وتنظيم حقيقي، هو ماضي من العنف المركب يعيد إنتاج خوف من العمل العام، وعنف عام وتاريخ يتسرب الى الخاص والشخصي. لا يمكن ان نغض النظر عن العنف العام في الأوساط المثلية والنسوية في المنطقة جراء الصراعات على مراكز قوى وسلطة هامشية وتمويل أحيانا غير بريء. ربما لو تعاملنا مع العنف بشكل حقيقي اي العنف العام في الشخصي، كنا قد استطعنا خلق مساحة جديدة من المنظمات والحركات النسوية، آنذاك وأسسنا لمرحلة وخطاب جديد، لكن اللحظة تقتضي بالتأسيس لمرحلة جديدة من التنظيم، قصدي وواعي تماما لماضي العنف ودوره بالتنظيم المشترك، وقادر على التفكير في كيفية النجاة وسط عملية محو ممنهجة للتاريخ والأفراد والاشخاص وحركات.

    مقدمة مخطوطة” سرد شخصي لتاريخ عام”.

    أول مرّة ضربني أبي لم أعلم ما عليّ فعله، قالت لي أمي أن عليّ ألا أتحرك وأن أخفي وجهي جيدا، وأن أتوقف عن محاولتي لركله، كان ذلك يغضبه أكثر، كل هذا كان يحصل في نفس الوقت. قبل الحادثة، كان يأكل صحن فاصوليا بلحمة، وكنت مستلقية على سريري وحيث اختبر جسدي معنى الهلع الذي يتعاظم بين أضلعي ولا يتسرب الى الخارج للمرّة الأولى، كانت أمي قد قرّرت أني بحاجة لتأديب لأنها لم تعد تخيفني، كسرتُ سلطتها عليّ مرّة واحدة وفي نهار وحد، ربما أطلت في السهر خارج البيت، أو اكتشفت أني هربت من المدرسة، لا اذكر التفاصيل ولا سيرورة الأحداث مع أمي، يحتل الضرب الذكرى الأساسية في بداية علاقة غريبة مع أبي، الذي كان فخورا دائما بأنه لا يضرب “نساء”. أنا لم أكن في غرفة الجلوس معهما، فلم اسمع ما قالت له، لكني اذكر أن الصمت حلّ في البيت، وظل تنقيط المياه من السيفون ينغّص عليّ رغبتي في أن استسلم لمخاوفي، وصرت اسمعه يحاول التّملص من المهمة المطلوبة منه، لكنها ظلّت تردد عليه مسؤوليته تجاه شيء ما، الأب الأكبر، الذي فهمت من هو بعد سنين قليلة.

     حين نادى عليّ لمحاسبتي، قمت من سريري ووقفت أمامه، كان يسألني إن كان صحيحا كذا وكذا، لم أستطع الرّد، كان فمّي مطبقاً من الخوف، وظلّت أمي تفترض أجوبة عن لساني، لكنه كان يريد منّي أن اردّ عليه، لكني من الخوف لم أستطيع تحريك لساني. بعدها طلب منّي أن انظر اليه لأني كنت أحدق بالأرض، وحين نظرّت اليه، كانت الدموع انهمرت، وكنت أتعرق وكانت لعرقي رائحة جديدة، من بعدها فهمت أن الخوف له رائحة عرق تختلف عن المفروز بشكل يومي.

    في البدء، طلب منّي بهدوء أن أرد على أسئلته وطلب منها الكف عن الكلام ليسمعني، أردت أن أتكلم، لكن الصوت الداخلي الذي نولد معه كان قد أعلمني أن اللحظة التي سأنطق فيها، هي اللحظة التي ستتصاعد فيها الأمور، كنت أعلم كيف تتصاعد الأحداث من الصراخ الذي يعلو حيّنا فجأة، ويهمد فجأة أيضا، كأن شيئا لم يكن، كأن شيئا مرّ بسرعة مثل قبضة على وجه احدهن أو هرولة أهل البيت لإغلاق النوافذ والستائر. حين وقف بعد أن استفزه صمتي، فزعت وخطوت خطوتين الى الخلف بسرعة، فطلب منّي أن أقول له اذا أنا خائفة منه، لكني لم استطيع أن أقول شيئا، كان فمي قد اطبق على نفسه، وكانت رائحتي قد فاحت من الخوف، فصار يسألني إذا أنا خائفة منه بشكل بوتيرة سريعة، وكل ما يتقدّم نحوي ابتعد،  حتى انحشرت في الزاوية و فقد أعصابه، قبل أن أخبئ وجهي كما اقترحت أمي وهي واقفة تحمل الصينية التي عليها صحنه، صار يضرّب في من دون استراتيجية محددة، غير انه ثبت رجله فوق قدمي، وكانت قبضته تأتي على الذراع والمعدة والوجه والرأس، وكانت الركلات تأتي على رجلي الثانية، لأوّل وهلة كانت يداي تحاول إبعاده، لكن أمي صرّخت تقول لي احمِ وجهك فحرّكت يداي فوق وجهي واعتقد إني بقيت  في وضعية هامدة لحين ما انتهى وعاد الى رشده وتوقف عن سؤالي اذا كنت خائفة منه، وصار يطلب بأن أرد عليه حين يسأل لأن هذا هو الاحترام، ثم وقع أرضا جنبي يلهث وبدء بنويح كبير وصار يسبّ الدين وأمي وانا، وصار يقول انه ليس بوحش فلما  أنا خائفة منه، فذهبت أمي لوضع الصينية في المطبخ وعادت وساعدته في الوقوف ومعاودة الجلوس على الكنبة. بعدها بدء أخواتي بالظهور من الغرف وانا في الزاوية وبقع دمّي تحيط بي، فطلبت أمي من أخواتي أن ينظفن الدّم لأن منظره مقرف، وكان الجيران قد بدئوا بالتوافد للجلوس مع أبي والاطمئنان عليه بعد أن سمعوا صريخه. وقامت أمي لتجرّني مع أخي وأختي الى السرير وهي تُسألني أن كنت مبسوطة ومرتاحة بأني أقلقت راحتهم، وفضحتهم أمام الجيران، وجبرّت هذا الرجل الذي يعمل من الفجر للنجر أن يخرج عن طوره، كانت تقول كل هذا، وكنت اخجل من رغبتي في أن تمسدّ لي شعري، أو أن تحضنني، كنت أريد شيئا ما ليغلف جسدي ووجهي الذي كان متورّما، لاحقا، فهمت اني رغبت بدرع يحمي ويعيد لجسدي ذلك الإحساس بالتكامل والتأكيد بأنه جزء كاملاً،  رغبت ببعض من الحب الذي يستطيع أن يوصّل أجزائي المهشّمة ببعضها البعض، كنت أريد من أمي في تلك اللحظة، أن تعيد ولادتي فقط لأستعيد جسدي كاملا.

     بعد يومين، ظهر أبي حاملاً دبدوب تويتي، وجلس على نفس الكنبة، ونادى عليّ وأعطاني الدبدوب وعشرة ألاف ليرة، وطلب منّي أن اعتذر له، أنا كنت أريد أن أعتذر له وكنت أتمرن على ذلك في اليومين الذين تفادينا بعضنا فيه في البيت لأن أمي قالت لي أن الهدوء والسكينة لن تعودا الى بيتنا قبل أن أصلح ما قمت بإفساده. حين وقفت أمامه وانا أمسك بالدبدوب والمصاري، قبل أن اعتذر له، مدّ يده ليطول ما يشعل به سيجارته، وبحركة لا إرادية مني رجعت الى الوراء، فجنّ جنونه فركضت الى الغرفة الأقرب وأوصدت الباب وظل يخبّط ويطرق على الباب لأفتح لأنه يريد أن يفهم لما أنا خائفة منه، واي نوع بنات أنا لأخاف منه، وهل قام بأي شيء أصلاً ليؤذيني؟ أحسن مدارس وضعني فيها وأفضل اكل يطعمني وعلّمني السياسة وحمّلني القضية.

    ظلّت علاقتي بأبي محكومة لوقت طويل بهذا الخوف وبهذه اللحظة، كان يريد مني ألا أخاف منه، وكنت اريد منه ألا يراني، كانت نوبات القلق التي ظننت أنها جزء من حياة الراشدين كمراهقة، تبدأ حين يقترب موعد وصوله الى البيت، وحين يتأخر في المغادرة، والأكثر حين كانت أخواتي وأمي تستعملنه كورقة تعيدني الى تلك الزاوية مع رائحة العرق والدم، لسنوات، طورت خوف   آنذاك من الرائحة الحديد التي ظلت تعيدني الى طعم الدم في فمي.

    ظلّ لسنوات قبل أن يمرض، يريدني ألا أخاف منه، وأنا كنت أريد ألا أخاف منه. بعد هذه الحادثة تكررّ الضرب مرتين، لكني لم أستعد نفسي أ بدا من تلك اللحظة التي كُنت فيها في الزاوية والتي تشكل جزء كبيراً حتى اليوم أحد الأسباب التي تدفعني لتفاديّ بيت أهلي، كأني ما زالت هناك ولا اعرف كيف انتشل جسمي من تلك الزاوية، والذي ظلّ لوقت طويل لا يعرف أن يَحتَضِن ولا يُحتَضن، وظلّت تعيدني كل لمسة على الظهر أو على الكتف الى تلك الزاوية، والى ذلك الإحساس الموشك بالخطر، وتفتح لي ذلك الخزّان من الخوف الذي يجرّف كل شيء حين يجتاحني، فأنسى كل شيء، من أنا وأين أنا وما حصل، وأعود الى تلك الزاوية فاقدة تماماً الإحساس بجسمي، ساكنة، غير قادرة  على التلاشي والاختفاء، مسكونة بعجز كبير.

    بعدها، كان صعباً كثيرا عليّ أن أتواجد بين الجيران والأخوة والعائلة الأكبر لأنهم رأوا ما حصل وتواطئوا على خوفي من تكرار هذه اللحظة التي تفلت فيها زمام الأمور، لأنها كانت تفلت فجأة، من دون إنذار، إعصار يحلّ فجأة، وتلك اللحظات الصامتة من بعدها والتي أحمّل فيها مسؤولية هذا الإعصار. عدم قدرتي على فهم الخوف والإحساس الكبير بالعار، تعاملت معه من خلال التزامات سياسية وأخلاقية عالية ومتطرّفة أحيانا وانغماس كلي بالشأن العام، كانت التزامات هذه تحميني من هذا الشعور الذي كل ما تجاهلته، تحكّم فيّ وتمكّن منّي، كان هذا الشعور كبيرا بالعار، في داخلي كانت هناك قناعة داخلية بأني معطوبة ومستباحة ولذا ضربني أبي.  كنت أخجل من إني لم أستطع أن احمي نفسي، وكنت أخجل أكثر من أن أحداً ما في هذا العالم (الجيران والعائلة) لم يحمني. كان ذلك مدخلي الشخصي والسياسي الى النسوية، والى الحياة العامة، وحيث كان لا بد أن أضع كل هذه التفاصيل على حدى، والعب دورا عاما اليوم أفهمه بأنه الدور الذي كان ربما مطلوباً أن يلعبه أحدا في حياتي، ذلك الدور الذي يساهم في بناء سردية عن العنف الخاص وموقعه في بنائنا كأشخاص، من دون أن نضطر الى المرور بموقع الضحية والذي لا يمكن الخروج منه أبداً، فنقاوم بمعروفية، ونصمت بمجهولية.

    أعود دائما الى تلك اللحظة في سريري بعد أن ضربني أبي، جزء منيّ مهشّم كان يخطط لقتله بعد أن أكبر أكثر، وجزء منّي كان يحسّ بالذنب لأن أبي بكى، وجزء مني تلبس بالعار لأنه كان يبدو لي بأني استحق كل هذا لأن أحدا لم يحميني. جزء مني بقي في زاوية صالون بيتنا حيث لا أزال ممددة على الأرض، ولا يزال أبي (الذي أحب جدا) يجلس نائحاً غير قادر على هضم أنه مسخاً أحياناً، هذا الجزء لا يزال عالقاً في اللحظة التي لم تمرّ، واقفة ومتجمّدة، اللحظة التي جرحتني للأبد. غير أنها شكلت الصورة التي حمتني من حقيقة ما يتطلبه العنف ليحصل، تقول الصورة أني وأبي في مواجهة بعض، وبذلك تخفي حقيقة أكثر ألما، وذلك أن العنف يتطلب مناخاً يساهم فيه الجميع ليحصل ويتطلب تواطئا كبيرا ليحصل، وان من ينفذ العنف ليس بالضرورة المسؤول الوحيد عنه.

    لأني كنت غير قادرة على قبول ما اختبرت، أصبحت القضايا العامة بالنسبة الي الملاذ الذي يذيب عاري الشخصي وينجيني من موقع الضحية الذي كان نفوري منه مرتبط تماماً بنفوري مما حصل، ومع توسع المجال العام في بيروت في أوائل الألفين، وفتحه تماما بعد أل 2005، وجدت نفسي انخرط في مجموعة نسوية تُدعي نسوية، والتي واجهت نفوراً عميق من الجمعيات النسائية العاملة حين شُكّلت بسبب وجود سرد واضح في خطاب المجموعة عن الجنسانية والمثلية من جهة، ومن جهة أخرى كان لوجود المجموعة نفسه عامل تهديد لتمويل الجمعيات النسائية حينها واللواتي كُن اكثر علانية في ممارسة رهاب المثلية، لم تكن هذه العوامل ظاهرة كثيرا، فاعتقدت الكثيرات منّا أن النفور يرتبط بصراع الأجيال. كان انخراطي في المجموعة بالنسبة الي تطور طبيعي لأي”شابة” قادمة من تجارب يسارية كانت شكلت معرفتي بالتنظيم السياسي وأعطتني نظرة ركّزت الصراع الطّبقي والتنظيم لفلسطين كأرضية بديهية لأي عمل سياسي. 

    كانت هذه التجارب اليسارية تتمحور بشكل رئيسي على تحريك المدينة تضامناً مع فلسطين وحق العمل للاجئين الفلسطينيين، وفي هذه التجارب كُنا لبنانيين وفلسطينيين وأجانب في مجموعات تكبر وتصغر وتتعارك فيما بينها تحت هامش من الحريات مرسومة ومهندسة تماما من قبل الوصاية السورية في لبنان قبل الانسحاب في 2005. كنت يافعة جدا في هذه التجارب ولذلك، اعتقد أني كنت أحياناُ بوقا يردد أشياء لم افهم عنها شيئا وخصوصا في حيزي الخاص ومع أمي تحديدا التي اذكر أنها مرّة وهي تكيل لي الصريخ لأني لم أكن ادرس لامتحان البكالوريا بالشكل المطلوب، أتهمتها بأنها جزء من الطغمة المالية، والتي صدمت أمي فأوقفت صريخها علي وأنبتني على قلّة تهذيبي وتجاهلتني لبقية اليوم والتي اتصلت بخالتي في نفس اليوم لتفهم معنى الكلمة.

    شكلت التجارب اليسارية هذه  أول الطريق الذي يؤدي الى الاهتمام بهامش الحريات الكويري والنسوي والذي كان يحرّك حشريتي الخاصة وانا أشك في جنسانية لم يعرفها أهل بيتي والذين كانوا منزعجين جدا من مراهقتي، التي اختلفت عن تلك التي عايشوها مع أخواتي فلم تكن الغراميات والموضة من الأمور التي شغلتني، ووجد أهلي انفسهم في مواجهة مراهقة تقرء روايات أدبية وجريدة قاسيون الصادرة عن الحزب الشيوعي السوري وملحق سفير الشباب وتكتب أقوال للنين وللأسف ستالين على دفاتر المدرسة، وتمضي وقتها بين مخيم شاتيلا ومارالياس، عكس شباب المخيم الحالمين بالتسكع خارج حدوده، ولديها صور فوق سريرها لحنان عشراوي وأبو عمار وعبد الناصر وشي جيفارا  في تناقض واضح مع نجوم البوب الأميركي فوق أسرّة أخواتي.

    داخل هذه المجموعة تصادمت كل هوياتي وكل ارثي اليساري مع الموجودات، تصادمت فلسطينيتي مع القادمات من خلفيات القوات اللبنانية والكتائب وحيث كنت بالنسبة لهن أول فلسطينية يحتكون بها. كانت المجموعة المكان الأول الذي اصطدمت فيه هويتي الفلسطينية بتجريم، شعرت بأني مجرمة وسط أفراد من الشرطة، ومن ثم تصادمت تجربتي اليسارية مع غياب تجربتهن في التنظيم وتصادمت قراءاتي النسوية المهوّسة بأودي لورد مع الإحساس عند المجموعة بأننا نعيد اكتشاف العجلة، وتصادمت خلفيتي المُشكّلة من ثقافة شعبية مع اللواتي أتين من الطبقات الوسطى والفاحشة الثراء والفاشية الوطنية. تصادمت شخصيتي مع حالة الانصهار إل كلتش* في المجموعة. وتفتح ذلك الشعور بالعار والذي صار يلتهمني.

    أصبح موقعي في المجموعة يذكرني تماماً بموقعي في بيت أهلي الذي كنت قد تركته عند أول فرّصة، ففي الوقت التي كانت أخواتي تتمتعان بحب أهلي غير المشروط لأنهما فتيات مهذبات، كنت لا أتمتع بحب أهلي الذي لم أستطيع يوما قط أن أحقق شروطه، فصار أهلي يفضلون أن لا التقي مع العائلة الأكبر إن لم أزيل شعر وجهي وإبطي، أو يفضلون ألا أتواجد في العزائم الكبيرة كي لا يتوتر أبناء خالتي وخالاتي من إجابتي الصريحة عن أي شيء، الى أن رحلت عن البيت وتنفسوا الصعداء.

     عاد ذلك الإحساس بالعار الذي حملته من بيت أهلي الى الظهور في مجموعة نسوية وحيثُ كانت مُؤسسة المجموعة حينها تتمتع بنجومية ساطع وسلطة مطلقة، وكنت أنا أتمتع بالنقيض، واصبح عندي سمعة بأني مجنونة و أصبحت المُنضمّات الجديدات الى المجموعة يتم تحذيرهن من اني “بايبولار” فأجد نفسي دائمة الوحدة في مجموعة خلقت الكثير من الصداقات، ولم اترك المجموعة إلا بعدما تفاقمت الديناميكيات الداخلية وتحوّلت المُؤسسة النجمة الى الشيطان الرجيم بالنسبة لأفراد المجموعة الباقيات، بقي لي من المجموعة سمعتي الملوّثة في الحركة ومن ثم في المدينة وكان ذلك دافعاً لي لأرمي نفسي تماما في العام، كنت اعتقد أن إصلاح العام تلقائيا يصلح الشخصي. كُنت أتفادى أماكن كثيرة في المدينة، وانسحب من أي صداقات قد تكون مشتركة مع من كنّ في مجموعة نسوّية، كنت أخاف دائماً من أن يعرف الناس أني تعرّضت لعنف ما أو تشويه ما ولم أعرف كيف أدافع عن نفسي، لكن أكثر ما كنت أخافه، هو أنه لم يحمني أحد، كأني استحق كُل هذا. صارت فكرة أني مجنونة أو خطرة أو وحش شرير أفضل بالنسبة الي من فكرة أني لم أحُم.

     اختلطت اللحظة الذي ضربني أبي فيها وخروجي من المجموعة وأصبحت واحدة في رأسي، وصار العار الذي احمله لأني لم أقاوم أبي وكنت حقا أخاف منه، يشبه تماماً خجلي بأني لم أقاوم تلك الأصوات في مجموعة نسوية، ولما لم ارحل باكرا؟  كُل ما صارت تلحُ عليّ هذه الأسئلة، أهرب من أجابتها واندفع لأظل وأنظم وأتعالى، كانت السنوات تمضي وكان عاري يخفف عنه التزامي السياسيـ للعمل العام وما اعتقدت انه تعالي منّي في صمتي عن أمور حصلت لم يكن أبدا من المفروض عن أسكت عنها، لكني أردت أن أكون أي شيء إلا الضحية.

     ظلّت الخلافات ضمن الرعيل الأول والثاني من هذه المجموعة يتسرب الى أي تنظيم أو محاولة تنظيم واستمريت في اللقاء ببعض من كُنّ معي في المجموعة في السنوات اللاحقة رغم جهدي الشخصي لتفاديهن، واستمرّيت في تلقي اعتذارات غامضة عن تلك الفترة مثل “لم نكن نعرف” و”أنا لم أشارك”، كانت أمي وعائلتي في تواز غريب مع أفراد من المجموعة، يلقون عليّ جملٌ مبهمة عن انهم أيضا لم “يقصدوا” الخ.  كانت الاعتذارات التي تأتي صدفا أو عمدا توترني وتعيدني الى ارض العار، حيث هناك شيئا فيني معطوب سمح لكل هذا أن يحصل، رغم أني لم اسأل يوما عن تفاصيل أكثر، فأجد نفسي في مرة في زاوية صالون بيتنا ومرة في مركز نسوية القديم غيرة قادرة على فهم هذا العنف الذي يشترك فيه الجميع وكيف نتخلص من أثاره علينا.

     في مواجهة العار، كان يتحتم عليّ ان أقبل بأن العنف الموجود في بيت العائلة، يُشبه العنف الذي تفشى في مجموعة نسوية، وله تأثير بالغ على نوعية الحياة التي عشتها لاحقا، مثلا أن اذهب الى طبيب نفسي لأعرف إذا أنا بايبولار أم لا، ووجه الذي احمر غضبا عنّي وعاري لأن زرته اصلا. وأن أتفادى أحياء وأشخاص في المدينة تقريبا لأربعة عشر سنة. العيش مع العار ليس سهلاً، لكن الشفاء منه تطلب مني أن انظر اليه كجزء من ممارسة عامة تأخذ شكلا خاصا كان على أن أبقيها في العام وليس الخاص. ويبدو لي بشكل واضح ان مثلا وصمة الجنون كان الصفة الأمثل لتتعامل مع شخص خارج عن المألوف، عن الغريب الذي لا بد أن يكون مريبا والذي يُشبه تمام سردية العنف الأهلي اللبناني وحقيقة وأن أي حديث عن العمل السياسي النسوي وتاريخه من دون سرد العنف في تشكيله لا يبنى عليه

    يبدو لي ان هناك ضربا من الغباء، في النظر الى جزء كبير من تاريخ الانقسامات في حركتنا النسوية في لبنان والمنطقة والتعامل معه على أنه انقسام شخصي، وليش سياسي- شخصي. في شفائي من هذا العنف، تضمن أن أنظر الى التاريخ النسوي كأمر قابل على الرواية الشخصية ويتطلب مني أن أحرر نفسي من رقابة ذاتية وفكرة غبية تقول ان إصلاح العام يصلح الشخصي، ربما الشخصي أيضا يصلح العام، وان العار مرتجع، وفي إعادته من الذات الى التاريخ العام نبقيه في مكانه الصحيح، ويتطلب ذلك سرد شخصي لتاريخ عام.

    هذا عاركم عندي، مرتجع مع الشكر.

    *cultish

    سرى.

  • الامهات في غزّة غيرتن كل شيئ

    الصورة لي ، لا موخير مورته، كاستيا دي ليون2022

    أنا لست أما

    ولم أحلم يوما بأن يكون في أحشائي سوى طعام وكحول ونقاط مهدئة للقلق

    لدي بويضة تسقط كل شهر، من دون أي اهتمام يذكر، سقوط مكتوم ومهمل.

    لدي أما أضحت لطيفة بعد سنواتها الثمانون

    وبقي معي من بطنها

    حبل صرّة مُتخيل كنت وانا طفلة قبل ان أنام أراه يمتد من سريري الى أمي، يأخذ منها حبا من دون علمها.

    ومشيت في الطريق المقدّرلي من دون سؤال الأمومة

     لكني فهمت ان البحر والغابة أمهات

     ووضعت لهم صوراً أحيانا على مكتبي.

    لكن الأمهات في غزّة غيّرتن كُل شيء

    لكن الأمهات في غزة غيرتّن كل شيء

    حبال صرة في الركام

    مهد في كفن

    ولادة عسيرة،

    موت وشيك

    ولادة وشيكة

    موت عسير

    صدور جفت

    لائحة الأبناء الموتى، لائحة الأبناء الأحياء

    أنا لست أما، لكني أمد حبل صرّتي المتخيل لهن

    عند الولادة

    عند الدفن

    وأعطي يداي لتحملهن وتعودن طفلات

    واحملهن  

    لكني لست أما، فلا اعرف كيف تواسي الأمهات بعضهن

    عند الولادة

    عند الدفن.