معاداة النسوية: كراهية معولمة محلّياً
English translation : https://www.gwi-boell.de/en/2023/12/01/anti-feminism-global-hate-local-contexts
كتبت هل مقال ل هنرش بول وبعدين بلشت الابادة فشلت اسمي بعدين حسيت ليش شيل اسمي اذ فيني انشرها عندي لان انسحبت بسبب دعم هنرش بول للابادة.
في السنوات العشر الأخيرة، شهدنا على نهايات مُرّة لثورة يناير في مصر والثورة السورية، وصولاً إلى انتفاضة 17 أكتوبر 2019 في لبنان، ودخول السودان مؤخّرًا في حرب عسكرية – أهلية، لُفظ فيها النفس الأخير لآمال رفعتها هذه الثورات. في خلال هذه النهايات المُرّة، تصاعدت بشكل متزايد سرديات مناهضة للنسوية وحقوق الإنسان في المنطقة، الذي أضحى يحكمها وبشكل واضح مناخ سياسي أكثر قمعًا وعدائية تجاه العمل الأهلي وحقوق الإنسان، وخصوصًا حقوق النساء، مُستفيدًا ومُتأثّرًا بوصول “اليمين” إلى السلطة في الكثير من الدول الغربية.
بالنتيجة، تأثرّت الحركات النسوية بالسياسات الأمنية التي أغلقت المساحات الجديدة والكبيرة في العمل الأهلي والسياسي، بعد أن فتحتها الثورات والحركات الاجتماعية في المنطقة، وكذلك تضرّرت من العنف الأهلي والاقتصادي الذي دمّر البنى التحتية النسوية في لحظة واحدة أوقفت امتداد لحظات مهمّة في التاريخ النسوي، مثل ما يحصل في السودان ولبنان مؤخّرًا، والعراق وسوريا قبلهما.
رافق نمو الحركات النسوية في المنطقة مع اهتمام كبير من الصناديق العالمية النسوية. سرّع التمويل الكثير من المراحل التي تختبرها الحركات الاجتماعية في نموّها عادة، وساعد النسويات والحركات النسوية بأن تكون جزءًا أساسيًا مؤثرًا في الكثير من تكتلات المجتمع المدني والحركات السياسية المعارضة في مختلف بلدان المنطقة، وبالتالي الانتقال التاريخي من موقع محايد تاريخيًا في علاقته مع النظام إلى موقع معادٍ ومعارض للأنظمة.
في خلال هذه السنوات، جاءت النسويات بأدوات غير تقليدية في التنظيم والحملات السياسية والمحتوى النسوي والسياسي الحسّاس تجاه الجندرة، واستطاعت أن تؤثّر في البيئات السياسية المتنوّعة ما بعد 2011 بشكل عميق. وعلى الرغم من أن انتشار التسمية أفقد العمل النسوي العمق في التحليل والاستبصار الضروري للسرديات النسوية الحالية، إلّا أنه نجح في جعل الكثير من الأسئلة النسوية عامة لا فئوية، وخصوصًا فيما يتعلّق بقضايا الأجور والعنف الجنسي والعنف الجسدي والتمثيل السياسي والتمييز القانوني، وفي الأحوال الشخصية والعلاقة بالجسد والجنسانية. وبناء على ذلك، تصطدم الجهات المعادية للنسويات والتحرّر حاليًا بخطاب نسوي عام ومنتشر في كتلة محلية وإقليمية وعالمية، حاضرة في العالمييّن الرقمي والمباشر. وعلى الرغم من أن معادة النسوية والنساء وفئات أخرى من مجتمعات منطقتنا ظاهرة وموجودة منذ ما قبل المناخ الحالي، ثمّة تغيير نوعي في الهجوم على النسويات وتقويض بديهيات نسوية تنتشر مثل النار في الهشيم بين نساء وفتيات وأفراد منطقتنا من المحيط إلى الخليج، يستفيد بصعود اليمين وسردياته المعادية للحقوق ويتأثّر به.
الحركات المعادية لحقوق الإنسان
في الاصطدام الحالي ضدّ النسويات في منطقتنا، نرى معالم ما يعرف بـ “الحركات المناهضة للحقوق” (anti -rights actors) العالمية، والتي تشكّل التيّارات المعادية للنسويات (anti-feminist) أحد أوجهها، ونشهد بوضوح كيف تتقاطع سرديات هذه الحركات مع حوادث التحريض على النسويات وحملات الكراهية ضدّهن.
تعرّف منظمة النساء في التنمية (AWID) الجماعات المناهضة للحقوق بأنها مؤسّسات وجماعات ذو تأثير عام تعمل على معارضة ومحاربة تقدّم الحركات النسوية والكويرية في العالم وتحاربها، من خلال تنظيم نفسها وتنظيم حملات مناصرة تهدف إلى مواجهة ما يعتبرونه “شرًّا نسويًا ومثليًا”، يهدف برأيهم إلى هدم الأسرة وشكلها التقليدي، وإقامة تغيير جذري في الجندر والجنس من أجل تقويض دور الرجل البيولوجي والطبيعي، وكذلك دور المرأة الطبيعي والبيولوجي. وتعمل هذه المؤسّسات والجماعات على تجريم العمليات المؤكّدة للجندر، ومناهضة العابرات والعابرين بشكل خاص وعدم الاعتراف بهن كنساء أو رجال.
تشير أيود إلى أن المجموعات المناهضة للحقوق العالمية بنت نفسها من صلب الحركات الدينية والأحزاب اليمينية، ولكن تحت غطاءات مؤسّسات تدعي أنها جزء من المجتمع المدني العامل في مجال حقوق الإنسان، وتصدّر نفسها كمدافعة عن حقوق الأسرة الطبيعية لمناهضة المؤامرة ضدّ الأسرة التقليدية، وتنشط هذه المجموعات أيضًا في مجالس حقوق الإنسان في جنيف ونيويورك، حيث تقام اللقاءات الدورية للمجموعات العاملة في الأمم المتحدة، وخصوصًا المراجعة السنوية لوضع المرأة (CSW) التابع للأمم المتحدة، فتحاول تغيير اللغة المستخدمة في اتفاقيات الأمم المتحدة وقراراتها، ولا سيما فيما يتعلّق بالعنف الجنسي والإجهاض والعبور ومحاربة التطرّف الديني وحقوق المثليين وغيرها.
تقاطع اليمين العالمي مع الكراهية المحلّية
تظهر في منطقتنا، مجموعة من ردّات الفعل والسرديات والمصطلحات والمواقف السياسية – القومية، التي تتقاطع مع خطاب المجموعات المناهضة لحقوق النساء والإنسان وطرق عملها وإن يصعب تحديد تعاون مباشر وعلني بين هذه المجموعات والمناخ المصطدم والمحرّض على النسويات في منطقتنا، يسهل تسليط الضوء على قواسم مشتركة بينهم، لا سيّما طرق التنظيم والسرديات والمصطلحات المستخدمة، عدا عن وتحديد كيف تقاطع اليمين العالمي الصاعد مع الكراهية المحلّية ضد النساء، وتحديدًا النسويات والمثليين.
تساعد هذه التقاطعية في النظر إلى السياق العالمي لعودة اليمين (بكل أشكاله) كمناخ حاضن وأساسي في صعود التصادم ضدّ النسويات في المنطقة العربية، بدءًا من الصعود الحادّ للخطاب المحافظ والمعادي للحرّيات مع وصول دونالد ترامب إلى الحكم في الولايات المتّحدة، مرورًا بتركيا وخروجها من اتفاقية اسطنبول، وفوز اليمين في إيطاليا والسويد وبولندا، وتشريع قانون يحيل المثليين إلى الإعدام في أوغندا، وكراهية المثليين والنسويات في روسيا. ومن ثم تبيان معنى إمساك اليمين بالسياسة والتشريعات في أوروبا وأميركا، بعد سنين من الاشتباك والاصطدام مع الخلفية التي شكّلت النقاشات العالمية النسوية، وبرزت من خلال “ME TOO أو “أنا أيضًا”، وفتح صندوق باندورا عن العنف اليومي الذي تواجهه النساء في العالم، ووصول مظاهرات تشريع الإجهاض في بولندا والأرجنتين الى الرأي العام العالمي.
وصل صدى الخطاب اليميني المعادي للحقوق في الغرب إلى المؤسّسات الرسمية والدينية والأحزاب القومية-الليبرالية في منطقتنا، وألهمها في تغيير طريقة هجومها والتحريض على النسويات والقضايا النسوية، فانتقلت من اعتبار القضايا النسوية منتجًا غربيًا-استعماريَا إلى الهجوم والتحريض على النسويات من منطلق مؤامرتي يهدف إلى تفكيك الأسرة والدين والمسّ بالطبيعة (المرأة والرجل). بالنتيجة، تحوّلت كراهية النسويات إلى جزء من فكر حمائي يتعلّق بالأطفال والعائلة والوطن، وتحوّل الاطمئنان من محدودية التأثير النسوي على المجتمع أو السياسات الحكومية، إلى قلق، واستعار حجّة حماية الأسرة من الشرّ النسوي للهجوم على النسويات والتحريض ضدّهن باعتبار أن النسوية تؤجّج الصراع بين الأزواج، وتدمّر الأسرة، وتخلّ بالأدوار المختلفة التي يتحتّم على النساء القيام بها، في تخاطر مع أفكار ومنطق اليمين العالمي. ويمكن بخطوات بسيطة عبر الإنترنت معاينة عولمة الكراهية في السياق المحلي، من خلال الكمّ الهائل من المحتوى الذي ترجمة محتوى حركات مناهضة الحقوق واليمين في أوروبا وتعريبها.
الاصطدام بالنسويات: دولة ومؤسّسات دينية ورجال في أزمة
سمحت عالمية النضالات النسوية للكثيرات برؤية جدوى النضال المحلي، والأهم من ذلك، ساعدت الصور من المظاهرات وانتشار محتوى “أنا أيضًا” في التأكيد على أن النضال النسوي قادر على أن يشكّل كتلة مؤثّرة، وأن يكون أكبر بكثير من مجموعات صغيرة أو مؤسّسات محلية. ونرى ذلك بشكل واضح في تأثير حركة وثورة “إمرأة، حرية، حياة” في إيران، على السرديات النسوية في منطقتنا. وأكثر من ذلك، أكّدت هذه اللحظات على ارتباط بين العدالة والمساواة للنساء وبين العدالة والمساواة للجميع.
يمكن مثلًا النظر إلى حملة التضامن العفوية والنقاش العام وردّات الفعل على مقتل إسراء غرّيب على يد رجال عائلتها في فلسطين، الذي وقفت خلفه صديقات وقريبات لإسراء لسن بالضرورة نسويات، وحرّك منطقتنا اعتراضًا، وأجبر السلطة الفلسطينية على المباشرة بالتحقيق في جريمة القتل على الرغم من انتفاء نيّة المحاسبة لاحقًا. فَضحت هذه الحادثة عشرات القصص عن قتل النساء في فلسطين ولبنان ومصر والعراق من دون أي محاسبة أو خوف، وساهمت في بروز تنظيم طالعات النسوي الفلسطيني الذي اشتبك مع الخطابات التي حاولت أن تساوي بين الاعتراض على قتل النساء وخيانة القضية الوطنية كاستراتيجية قديمة في منطقتنا، كانت ولا زالت تبتز النساء عند الاعتراض. ويمكن فهم هذه اللحظة الجماعية النسوية المنتفضة لحق إسراء، كدليل على وجود كتلة نسوية كبيرة مؤثرة لمواجهة العنف، ولو بشكل رقمي على وسائل التواصل الاجتماعي. عدا عن مشاركة أحداث قتل وتعذيب وضرب تستهدف النساء لأنهن نساء، وخلق نقاشات عامّة أجبرت السلطات أحيانًا على التحرّك، ونقل مناهضة العنف وفضحه من عاتق المجموعات النسوية إلى عاتق نساء وأفراد ليسوا بالضرورة نسويات.
يمكن النظر، إلى انتشار ما يمكن أن نطلق عليه “بديهيات نسوية” عن العنف والتحرّش والمحاسبة والتمييز، أضحت تشكّل توقّعات اجتماعية عند ثلاثة أو أربعة أجيال من النساء والأفراد غير النمطيين، من دون أن يكون ذلك متعلّق بنشاطية ما. ويمكن الاستنتاج أن الاصطدام الحالي وعنفه ضدّ النسويات والكويريين في منطقتنا، يتعلّق بالذعر من الكتلة نفسها ومن البديهيات أيضًا، في محاولة لتقويض أثر العمل النسوي على توقّعات النساء والأفراد غير النمطيين وممارستهم في المنطقة.
ويمكن أيضًا رسم ملامح للجهات التي تحاول لجم الكتلة النسوية وتقويض البديهيات النسوية المُنتشرة. أحيانًا لا تكون هذه الجهات متحالفة بين بعضها بشكل تام، لكنّها تستفيد من تقاطع كراهيتها للنسويات. يمكن اعتبار الأنظمة الحاكمة لاعبًا أساسيًا في التحريض على النسويات وترويج الكراهية ضدّهن، ويمكن مثلًا الانتباه إلى الدور التحريضي الذي لعبته السعودية واليمن وقطر والكويت وغيرهم من دول المنطقة في خلال أعمال الجمعية العمومية للأمم المتّحدة لعرقلة تبنّي القرار الخاص بالإعلان العالمي لحماية المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان، وخصوصًا تلك التي تتعلّق بالأفعال الانتقامية والعنف الجنسي تحت حجة معارضتها للثقافة المحلّية كمثال على التزام دولنا أحيانًا في الحدّ من السياسات العالمية التي تعترف بدور النسويات وبطريقة غير مباشرة، منعها من التأثير على النسويات محلّيًا.
تجريم الممارسات النسوية
يمكن النظر إلى سياسات السعودية في السنوات الست الأخيرة، من بين دول أخرى، كمثال على كيفية تحريض الدولة وكرهها للنسويات، من خلال تجريم العمل الأهلي والدفاع عن حقوق الإنسان، واعتقال الناشطات المعروفات كدرس للأخريات، ومحاولة تجريم الفكر النسوي باعتباره يهدّد أمن الدولة، وأيضًا من خلال مصادرة النضال والعمل على إقرار إصلاحات معيّنة مثل نظام الولاية، من دون السماح بتكوين مجتمع مدني والاستمرار باعتقال ناشطات مغرّدات أو منع السجينات السابقات من السفر، وسط رقابة شديدة على المحتوى الرقمي، وفي المقابل فتح المجال لإنتاج محتوى محرّض على النسويات في الإعلام الرسمي والرقمي يستعمل لغة الجماعات المناهضة للحقوق.
وتبرز مصر كمثال آخر على تجريم مناهضة الممارسات النسوية من قبل الدولة.، ففي العام 2021، سجِن شهود في قضية الفيرمونت المتعلّقة بقضايا اغتصاب، فتمّت معاقبتهم بسبب تبليغهم والشهادة في هذه القضية التي شجّع المجلس القومي للمرأة المصرية على تقديم بلاغات حولها. ونجح إسلام العزازي المتهم بالاعتداء الجنسي والاغتصاب في رفع دعوى تتهم نسويتين بالذم والقدح وتعمّد الإزعاج بسبب مشاركتهن شهادات لناجيات. لم تحقّق الدولة في أي من هذه الشاهدات المنشورة. ووفق النمط نفسه، تم استدعاء الناشطة النسوية في لبنان حياة مرشاد للخضوع لتحقيق خاص في شعبة الجرائم المعلوماتية عقب نشرها شهادات ضدّ متحرش متسلسل، لم تتحرّك النيابة للتحقيق معه على الرغم من الإخبارات الموجّهة ضدّه.
الجماعات والمؤسّسات الدينية
في سياق متصل، تعمل المؤسّسات الدينية بغطاء عشائري أو حزبي أحيانًا على التحريض الممنهج ضدّ النسويات. في السنوات الأخيرة، شهدت منطقة الخليل في فلسطين تحرّكات مناهضة لاتفاقية سيداو من قبل عشائر، اعتراضًا على مطالبة النسويات في فلسطين بتحديد سن الزواج بـ18 عامًا، ومنع الكوادر النسوية من الدخول إلى المدارس بهدف التوعية ضدّ العنف، وشنّ حزب التحرير الإسلامي حملات ضد ساما عويضة الناشطة النسوية يتهمها بالتحريض على الفسق والفجور بسبب مناصرتها لإقرار اتفاقية سيداو. في المقابل، لم تبادر المؤسّسات الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية إلى التحقيق بالتهديدات أو أخذها على محمل الجد.
وفي لبنان، بلّغ دار الفتوى اللبناني وزارة الداخلية في صيف 2022 بعزمه إيقاف مسيرة ونشاط مثلي وتصدّيه لهذه الظاهرة، وبالفعل نظّمت وقفة ضدّ المثلية دعمًا لدار الفتوى، ودعم شيخ عقل الدروز موقف دار الفتوى، بالإضافة إلى ظهور ما يدعى بجنود الرب، وهي مجموعة مسيحية تناهض المثلية (والنسوية بطبيعة الحال) وتهديدها محلات ومقاهي وضعت أعلام قوس قزح، في اتحاد طائفي وديني ضدّ المثلية.
وفي الأردن، أصدر بعض الدعاة الإسلاميين في تموز/يونيو الماضي دعوة لتكفير وإقامة الحدّ على الناشطة هالة عاهد بسبب تنظيمها تدريبًا عن النسوية في عمان، في ظل صمت تام من المؤسسات الرسمية الأردنية المعروفة بعدائها لهالة. وقد كشفت الأخيرة عن اختراق هاتفها من قبل مؤسّسات قد تكون رسمية. وحاليًا، أطلقت حملة أمنية تطال المثليين في الأردن.
إلى ذلك، تشهد المنطقة حملات جديدة تتمتّع بغطاء ديني يهدف إلى المحافظة على الأسرة والأدوار “الطبيعية فيها”، ومبنية على مبادئ التسويق الإعلامي، مثل فطرة في مصر، ومش طبيعي في لبنان، ويمكن أيضًا الوقوف عند خطاب حسن نصرالله في لبنان ضدّ المثليين، وأيضًا دعوة مقتدى الصدر في العراق لمناهضة المثلية من “دون عنف“، وصولًا إلى العمل على إقرار قانون في العراق يجرِّم المثلية.
تعمل هذه الجهات على إنشاء جمعيات تهدف إلى إقرار قوانين وأنشطة ترفع الوعي عن مخاطر النسوية والمثلية. على سبيل المثال، أنشئت في لبنان جمعية تحت اسم التجمّع اللبناني للحفاظ على الأسرة، تهدف إلى التوعية بمخاطر الشذوذ الجنسي وأنشئت حملة أخرى لحماية الأسرة والمجتمع تابعة لهيئة العلماء المسلمين. أيضًا برزت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل ريد بيل ربيك، تنشر محتوى معرّبًا يحرّض على خطر النسوية على العائلة.
ويؤدّي الرجال المأزومون في منطقتنا دورًا هامًّا في هذا الاصطدام، ولا سيما لناحية تعريب وترجمة محتوى ينطوي على كراهية النسويات والنساء، نقلًا عن نجوم اليمين المتطرّف والمحافظين مثل أندرو تايت الذي أعلن إسلامه من فترة وجيزة، أو جوردن بيترسون. وينتشر هذا المحتوى وهذا المنطق الطبيعي المناهض للنسويات، ويحدّ من قدر النساء بشكل عام. وللمفارقة، نجد كمًّا هائلًا من الحسابات لناشطين يساريين يعيدون نشر محتوى جوردن بيترسون، الذي يحاول الربط بين النسوية والمَرض النفسي عند النساء. أيضًا تنطوي أدوار هؤلاء الرجال على مساعدة ضمنية للسلطات الأمنية، على سبيل المثال،سجنت الشرطة المصرية إنفلونسر على تيك توك بتهمة “الإساءة لقيم الأسرة المصرية“، بالاستناد إلى بلاغات قُدِّمت من رجال ووإنفلونسرز مصريين ذكور، اتهموا الفتيات بالدعارة والاتجار بالبشر وخدش الحياء العام.
الاصطدام بالبديهيات النسوية: استراتيجيات النضال والاستمرار
ترسم التنظيمات والحركات النسوية خريطة دالة عن كيف تتصل منطقتنا ببعضها، وفي الوقت نفسه كيف تنفصل في مقاربات ولحظات خاصّة بها، مثل تنظيمات المهاجرات العاملات في المنازل في لبنان، ونضالات بائعات الشاي في السودان. وينتج تقاطع القضايا النسوية سردية دالّة أيضًا على تقاطع الأنظمة والجماعات المناهضة لحقوق الإنسان في منطقتنا، خصوصّا مع بروز سرديات مثل حماية “قيم الأسرة المصرية”، ومحاولة تجريم النسوية في القانون السعودي واعتباره شكلًا من أشكال التطرّف قبل التراجع عنه، أو إعادة تفعيل أخلاقيات النظام العام في السودان، أو التحرّيض على المؤسسات النسوية في فلسطين، وأخيرًا إحالة قانون يجرّم المثلية في العراق إلى اللجان النيابية. وفي متابعة مسارات هذه الحركات، يمكن أن نفهم حجم التغييرات، خصوصًافي السنوات الأخيرة، وفهم تأثير النسويات في منطقتنا على الإنترنت والعكس أيضًا.
على سبيل المثال، يمكن رؤية المقاومة النسوية على الإنترنت في مواجهة حملات الكراهية والتحريض من خلال الاستمرار في التنظيم النسوي وإن بأشكال مختلفة. ولكن الأهم من ذلك، من خلال تنظيم حملات تضامن محلية عملت على مواجهة التجريم والاستهداف في قضية الفيرمونت أو استهداف رشا عزب وسلمى الطرزي في مصر، ومن خلال حملة التضامن المحلية مع ساما عويضة في مواجهة التكفير. ويمكن النظر إلى زيادة انتشار الأخبار عن قتل النساء داخل الأسر وخارجها،، كإصرار على المضي قدمًا في مشاركة أخبار القتل وتحويل هذه الجرائم من حوادث عنف فرديةمن دون أي دلالة إلى نقاش عام عن العنف الممنهج والكراهية ضدّ النساء.
يمكن رؤية استثمار النسويات بشكل واضح في الإنترنت كبناء أساسي في ضخّ محتوى يشتبك مع التحريض والعنف من جهة، وكبناء يضمن الإفلات من القبضة الأمنية أحياناً من جهة أخرى، فضلاً عن الاستفادة من قوّة الإنترنت في تحريك الرأي العام وتسليط الضوء على الأحداث بشكل مباشر ومؤثّر، أسوة بما حصل في قضية “وسام وفاطمة” المحتجزتين في غزة إلى اليوم، وقضية “مذهلة ” في الإمارات العربية المتّحدة، وبالتالي وإحراج الدول في لحظات كثيرة ودفعهم المؤسّسات الرسمية للتحرّك أو إنشاء مجموعات مجهولة ومؤثّرة لبناء حركات عابرة للمنطقة وترتكز على الكتلة النسوية الموجودة في المنطقة وقدرتها على خلق نقاش عام.
وفي الوقت نفسه، يمكن التفكير بالتغييرات في الرقابة على المحتوى الموجود على منصّات التواصل الاجتماعي وانحياز هذه الرقابة بطرق ملتوية ضدّ الكثير من المواضيع، ومن ضمنها الخطابات النسوية التي تصنف “كمحتوى محرّض على الكراهية”. ويضاف إلى ذلك، اتساع الفايسبوك لمحتوى كاره للنساء والمثليين والنسويات بحجّة “حرية التعبير”. والأهم والأساس، هو تفاعلنا على الفايسبوك الخاضع للألغورثيم، الذي يكرّر المحتوى الأكثر مُشاهدة ويأسر المستخدمين في فقّاعة من المحتوى المماثل. ويمكن أيضًا، رؤية التغييرات الأخيرة على منصّة تويتر كدليل على هشاشة وجود النسويات ككتلة، بسبب خطاب إيلون ماسك ومعتقداته السياسية، وأثر ذلك على المحتوى وتجربة الاستخدام وحُسنها وراحتها وقدرتها على تمرير المعلومات والتواصل. والأهم، وضوح انحيازها إلى الحركات المناهضة للحقوق، وعملها على إغلاق مدى المحتوى وتقسيم المستخدمين وتفريقهم.
مع ذلك، لا تتعلّق هشاشة الكتلة النسوية بوجودها على منصّات التواصل الاجتماعي فحسب، وتأثّرها بالرقابة على المحتوى، ومواجهتها بمحتوى مُحرّض وعنيف، بل أيضًا بالتجريم والاصطدام والكراهية الموجودين خارج هذه المنصّات، وخفوت المؤسّسات النسوية والحقوقية النسائية في منطقتنا بسبب الاستهدافات الأمنية ومناخ الرقابة البوليسية (أسوة بمصر والخليج)، والحرب (سوريا والعراق)، أو الانهيار الاقتصادي وأداء الدولة (لبنان)، عدا عن الاستنزاف والعنف اليومي ضدّ النسويات سواء في الحياة المباشرة أو الرقمية والخاصة، واستنزاف قدرة هذه الكتلة على التضامن والتفاعل مع حملات التحريض اليومية. فضلاً عن محدودية انتشار المحتوى النسوي مقارنة مع ذلك المعادي للنسويات.
في النهاية، تبقى الكثير من الأسئلة مفتوحة، وهي تتعلّق بكيفية نجاة النسويات من الاصطدام الحالي، وبأي شكل، وبأي خطاب؟ يبدو واضحًا أن هناك نيّة واضحة من الحركات المعادية للحقوق في منطقتنا من أجل تقسيم القضايا والعاملين عليها. وبالفعل نشهد حاليًا هجومًا مستعرًا على المثلية، وجرّ النسويات إلى الصمت على هذا الهجوم، أو استنكار المثلية لتحييد نفسها عن الهجوم المقبل، أو الدفاع عن المثلية وتلقي العنف. وهو نهج يعمل بإيعاز من الدولة، أو يستفيد من أذرعها الأمنية لتقويض النسويات. أمّا السؤال الأساسي فهو مدى وعي الحركات النسوية ومجتمعات الميم في منطقتنا بتنظيم خطاب الكراهية، ومدى التفكير في مواجهته بطريقة قصدية، والبحث في مدى نجاح هذه المجموعات المُحرّضة على استمالة داعمين تحت غطاء حماية الأسرة، وانتشار خطاب يربط بين النسويات والمثليين وبين هدم الأسرة. والأكثر من ذلك، فهم وتحديد الجهات المعادية للحقوق على مستوى محلي، والعمل على مناهضتها محليًا، والتفكير بكيفية محافظة النسويات على أنفسهن وسط كراهية محلية أضحت معولمة، وأثر ذلك على الاستمرارية والنجاة بأقل ضرر ممكن.
