كُنت أنا الغياب أعود الى المدينة الأم. لم أفكر أبدا بالطقس المناسب، فعدّت في الشتاء، وسهت عنّي الفصول الأربعة. كنت قد حلمت بزهر الليمون والفِتنة حين أعود. لكن كل شيء كان باردا، حتى النوم. فهمت من العائدين أن جُرح الرحيل يلتئم بحدود ثمانية أيام، فجهزت أيامي ونظرت في داخلي كل يوم لثمانية أيام كي أرى ما يلتئم، فلم أر شيئاً، ففكرت أن جرح الرحيل قد يكون ظاهر للعين فقط،
فلم أر سوى إني تمسكت بمعطفي السميك واختفيت فيه.
فهمت من العائدين أن جرح الرحيل يلتئم حين نجد شيئا ما نعرفه، فذهبت الى الكورنيش كل يوم ولم أتعرف على شيء، حتى بؤرة سمك السردين السرّية التي اكتشفتها وعلّمت مكانها بين الصخور، اختفت! ظلّت المياه تضرب على الصخور خالية، كان الغياب سمك.
سهى عنّي الشتاء، وكنت أنا الغياب أعود لأجد كُل شيء بارداً،
حتى المباني التي عمّرتها من ندم ووزعتها في أحياء المدينة الأم كانت باردة، جّف فيها شيئا ما، فكرّت إذا يسكنها شيئا أخر، لكني لم أجد سوى الندم في غُرف الاجتماعات، والقُبلات التي لم أريد حقّا ان أتبادلها مع احد، ورائحة الدخان الكثيفة التي تغطي رائحة الخوف من لسان كبير يلعقنا ويلتهم تفاصيلنا، ويذيعها كل يوم على الراديو. كان اللسان منمقاً، وكنت أندم إني لم أقصه واعطيه لقطط المدينة.
كنت أنا الغياب أعود الى المدينة الأم كي يلتئم جرح الرحيل، لكني لم أجد مكاناً لي، ففتشت عن ذكريات، لكني لم أجد شيئا سوى لحظة الولادة، وإعادة الإعمار، وحين رأيتك في صباح اليوم التالي.
في اليوم الثامن، جلست في غرفة مع سيدة ظلّت تعتذر عن صوت الزمور الخارج عن سيطرتها، سألتني ست مرات عن الغياب وفي المرة السابعة أسندت ظهرها للخلف لأريها كيف كانت المدينة غيابا وكنت أنا الرحيل.
يوما ما، عند الظهيرة، كان واضحاً وبشكل لا لبس فيه، أن فصل الخريف قد مضى عليه بعضا من الوقت،
لأن أوراق الشجر المتساقطة بدى عليها إنها تحترق. وتذكرت أن هناك نار لم تخمدها الدموع التي ذرفتها أمام رجل يكتب في القطار، حين كنت أعد المآسي التي طافت من بئر الذاكرة كلّما عبرنا غابة وكلّ ما تهيأ لي أن الأشجار صُفت لودع العابرين في القطارات.
في هذه الظهيرة، توقف القطار لرجل قيل إنه يمشي على السكة الحديد يبحث عن النهاية، واقتلع الرّجل الذي كان يجلس مقابلي عيناه، وضعهما على النافذة، وأكمل الكتابة. كانت عيناه الملقتان على النافذة مغلقتان حين ترجّلت من القطار فلم يراني وانا ألوح له الوداع.
كان كل يوم، يوم ما، وكانت الظهيرة أبدية ومناسبة لوجبة غذاء، وسجلت في مذكراتي كل لا أنسى أن هناك جرذا كبير تغوّط فاختفت المدينة التي كنت اعرفها في كل الفصول، ورحلت إلى مدينة يسكنها قط برّي وكلبة مدرّبة على شمّ الخوف صباحاً، والبحث عن العجائز اللواتي تضعن في الحدائق العامّة ليلا.
يوما ما، عند الظهيرة، وحين كان واضحا وبشكل لا لبس فيه، أن فصل الخريف قد مضى عليه بعضا من الوقت، لأن أوراق الشجر المتساقطة بدى عليها إنها تحترق، وتذكرت إني رأيت حريقاً كبيرا قبل أن ينتهي العالم الذي اعرفه، لان الجارة كانت لا تزال تنشر الغسيل على الشرفة وتعدُ سيئات أولادها لتعرف حجم الرّشاوي المقدمة للقديسين، في النهاية، سلّم الأخوة على بعضهم البعض، واستعجلت النساء في الولادات، ونمنا كُلنا باكرا، لنستيقظ يوما ما على حياة– تقريبا عند الظهيرة- مضت.