ما القلق؟ مادة خام، أحسّها على صدري، داخل حلقي، بين ظهري وأمعائي، تمسكني من رقبتي، تتحكم في تعابير وجهي، تحدد درجة تركيزي، عمق تنفسي، مجرى الدمع من القلب الى العين، تلعب بأحلامي، تستلقي جانبي على السرير في الثلاثة صباحاً، وتُحدّثني عن كُل ما لم يُطمئن، لا يمكن التحكُم به، ما نبذ، ما لم يرحل، بقايا عواطف لم تنظف جيدا، بقيت تتعفن، وتكبر وتلتوي وتغيّر شكلها وتفتعل كوابيس، حقائق لا أقبل بها، هزائم لم أعترف بها، أثر الأخر فيّ.
عدّدت الأيام الجميلة التي ستنتظرني في المستقبل، كانت كثيرة.
نهار الاثنين سأكتب شعرا واركض في الحديقة العامة.
نهار الثلاثاء سأذهب الى حانة ينبذها الجميع، وأجلس على البار بالتوازي مع العجوز الذي يمضي وقته يحاول أن يخفي رجفة يده وهي تمسك القدح، انتظر البحيرة الصغيرة التي تتكون تحت مقعده، وأتخيل إنها تجمع لدموع الندامة.
نهار الأربعاء سأغط في النوم، أتأخر عن الاجتماعات التي تخفي كل واحدة منّا فيها الأحزان التي ترافقها صباحاً، أحلام من خيبات الأمل، الملل من الدوامات، ومن ثم سأسامح نفسي على فقدان الشغف المهني علناً واجلدُ نفسي خلسةً.
انتبه أن متلازمة القلق تبدأ دائما هكذا وسط الأسبوع، في لحظات غريبة مثلا عند استعمال الحمام للمرة السادسة، الخوف من شرب القهوة فجأة، الحرص المزيف على ضرورة أن أعيش حياة صحية، ثم الانتباه الى أن الأيام الجميلة المتوقعة تنذر بالشؤم.
فأراجع لائحة من السيئات التي ترافقني منذ الولادة: حب الشباب على حدود الأربعين عام، اقتناعي أن هناك تنين صغير يعيش داخلي، أحيانا يلتهم أمعائي، أحيانا يلعب بقلبي ويعتصره، وكل ما يكبر، يمنعني من التنفس، فأضطر الى البكاء.
هكذا تقسم حياتي، الأيام التي اشهد فيها على مآسي هذا العالم وفيها أيضا ادخل في معارك ضروس ضد تلك الجراح التي تُرمى عليّ، ليست لي، ليست جراحي، لا أحد يُشفى من معالجة أحزان غريبة، ادرّب التنين أحيانا على الاسترخاء، اعرّب أفكاري حسب الجداول التالية:
مخاوف من جراء صدمة. مخاوف بحكم العادة. وقائع. حقائق مرّة: علاج الحزن البكاء، علاج المعارك الدخول بها، علاج القلق نبش الذاكرة كثيرا واللقاء بأشباح الماضي.
أياد زرعت أشياء غريبة في ظهري، فنبتت عليه أعشاب جمّة، كانت ستي تزرع مثلها على الشرّفة :ورد جوري يُخفي رائحة السمّ في الشاي والبيت والصور.
لكن ظهري لا يكذب، لكنه لا يشم.
كان هناك سمّا،
كان هناك دمعا،
كان هناك تعبا،
المولودة تقول إنها لُفّت أربعين يوما،
تطلب ذلك وضعها جانباً،
عدم لمسها
سد الأذن عن البكاء،
ليشتدّ عودي.
لم اعلم أني مسمومة
جلست الطبيبة تشرح لي:
الأمعاء لا تعمل
لا تمضغ
لا تنظف نفسها
لا تبالي
قالت الأم أن الطبيبة تكذب.
كل نساء عائلتنا تتوارث أمعاء لا يعمل
لكن باطني لا يكذب،
لم يرث شيئا
سوى عودا مشدودا.
كيف تبدأ النساء المسمومات قصائدهن اذن؟
في مديح الترياق:
ملعقة عسل صباحاً
من بعدها
تمارين يوجا وتنفُس
شهيق: تدخلين في انفك رائحة أسرار العائلة، ومجموع الابتسامات الصفراء التي لم تواجهيها، اسم الحيوانة التي قالت: “في أوروبا لا يحبون التمايز، فخفف من طموحك.”
وقفي التنفس لثلاث ثوان.
زفير: تخرجين من فمك عواطف للعائلة مع بقايا الطعام من بين أسنانك، رائحة الموتى في حياتك، كربون يحمل كل ما تعرفين عن أعدائك وبلغم من رجال صغار ماتوا غرقا بين رئتيك، ارمي الكلينكس في أقرب مستوعب نفايات.